تكشف عدة مقالات نشرتها هآرتس ويديعوت أحرنوت أن الضفة الغربية لم تعد مجرد ساحة توتر أمني، بل أصبحت مختبرًا لتحول أعمق في بنية الحكم والسيطرة الإسرائيلية.
وهكذا تبدو الضفة -بين أوامر إطلاق نار أكثر تساهلا تجاه الفلسطينيين، وتهاون قضائي مع إرهاب المستوطنين، وخنق اقتصادي ممنهج للسلطة الفلسطينية- في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: استباحة القتل وتمدد الإرهاب الاستيطاني ومحاولة فرض واقع ضم زاحف من دون إعلان رسمي.
في تقرير نشره الصحفي الإسرائيلي يهوشع براينر في هآرتس، نقل الكاتب عن اللواء آفي بالوط، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اعترافا نادرا بالتمييز في التعامل مع راشقي الحجارة من الفلسطينيين واليهود.
وتنبع أهمية تقرير براينر، وهو من أبرز مراسلي هآرتس في تغطية الشرطة والمستوطنين والضفة، من أنها تستند إلى تصريحات داخلية لقائد عسكري مسؤول ميدانيا عن الضفة، ونشأ في مستوطنة نيفيه تسوف (حلاميش سابقا).
قال بالوط بوضوح: "نعم، هناك نوع من التمييز"، وأوضح أن إطلاق النار على اليهود يترك "تداعيات اجتماعية خطيرة".
وبهذا المعنى، لا يعود معيار الخطر هو الفعل نفسه بل هوية الفاعل، فالفلسطيني الذي يرشق حجرا يمكن أن يصبح هدفا للقتل، أما المستوطن فيُدار خطره بحسابات المجتمع والسياسة.
والأخطر أن بالوط تحدث عن أوامر إطلاق النار قرب منطقة التماس، قائلا إنه "يُسمح بتنفيذ إجراء احتجاز المشتبه به حتى يُصاب برصاصة في الركبة أو أسفلها"، ثم تباهى بأن الضفة الغربية تضم العديد من "النصب التذكارية البائسة" للباحثين عن عمل، ممن حاولوا التسلل إلى إسرائيل، وأن القوات التي تحت إمرته أطلقت النار عليهم وأصابتهم".
وتبلغ خطورة تصريحات بالوط ذروتها حين يقول "نقتل كما لم نقتل منذ عام 1967″، ولا يصف هنا حادثة منفصلة، بل تحولا في مستوى القتل المستخدم في الضفة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
ويضيف أن الجيش قتل "1500 فلسطيني في ثلاث سنوات"، وأن 4% فقط من القتلى "أبرياء"، في محاولة لتطبيع فكرة وجود هامش مقبول من قتل غير المتورطين، كما قال إن الجيش قتل 42 فلسطينيا في عام 2025 رشقوا الحجارة على الطرق".
وتتحول الحجارة من فعل احتجاجي أو اشتباك شعبي إلى مبرر للقتل، وفق منطق بالوط، وتصبح الضفة ساحة قتل استباقي دائم، لا تحتاج فيها القوة إلى سياسة تشرح نهايتها.
وكان المراسل العسكري يانيف كوبوفيتش قد نقل في تقرير له في هآرتس عن بالوط نفسه وصف عنف المستوطنين بالإرهاب اليهودي، وقال إنهم، بعد مقتل يهودا شيرمان "أحرقوا ثلاث قرى لثلاث ليال متتالية"، وإنه من بين نحو مئة شاركوا في حرق منازل ومركبات، اعتُقل خمسة فقط، ثم حُكم عليهم بثلاثة أيام من الإقامة الجبرية.
ويأتي اعتراف القائد المستوطن بالوط ليحطم اللغة الرسمية التي تحاول تقليل خطورة إرهاب المستوطنين اليهود، ويكشف في الوقت نفسه مأزق الدولة، حيث الجيش يعرف أن ما يجري إرهابا، والقضاء يرد بعقوبات هزيلة، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أوقف استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين اليهود في الضفة، بما يقيّد أدوات التعامل مع المعتدين.
وفي مقابل وصف حالة الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية اعترف بالوط نفسه بتنفيذ أجندة استيطانية، وأشار إلى أن المزارع الاستيطانية الـ 150 التي أُنشئت بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي "ساعدته بشكل قاطع"، لأنها تساعد في منع "انتشار البناء الفلسطيني غير القانوني" في المنطقة (ج) ومكافحة الإرهاب.
وفي الخلفية ترسم عميرة هيس، مراسلة هآرتس المخضرمة في الشؤون الفلسطينية والمعروفة بإقامتها الطويلة في الأراضي الفلسطينية وتغطيتها اليومية للاحتلال، بعدا آخر للأزمة.
ففي مقالها المنشور في 3 مايو/أيار 2026، كتبت أن إسرائيل تحتفظ بنحو 14 مليار شيكل من أموال السلطة الفلسطينية، وأن نحو 400 مليون شيكل تُضاف شهريا إلى الأموال المصادرة.
ولا تنفصل هذه الأرقام عن الانفجار الأمني المحتمل، فقبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان نحو 172 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل ويكسبون شهريا ما لا يقل عن مليار شيكل، أما الآن فانخفض العدد إلى نحو 50 ألفا، بينهم 14 ألفا فقط يحملون تصاريح.
وتذكر هيس استنادا إلى بيانات أوتشا، أن 17 فلسطينيا قُتلوا و262 أصيبوا أثناء محاولات عبور مشابهة بين نهاية 2023 وفبراير/شباط 2026.
وهكذا تلتقي السياسة المالية مع السياسة العسكرية، حيث يدفع خنق الدخل العمال إلى المخاطرة، وأوامر إطلاق النار تجعل المخاطرة قاتلة.
أما الدكتور ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب ومؤلف كتاب "جيل الطوفان"، فيضع هذه التفاصيل داخل إطار أوسع.
ففي مقال له في يديعوت أحرونوت بعنوان "بلدي يغير وجهه"، يرى أن النصر الكامل لم يتحقق في أي ساحة، لذلك يتزايد الجهد لتحقيق حسم في الضفة الغربية، موضحا أن هذا الحسم لا يتم بالقضاء على عدو، بل بتغيير جذري في الواقع، لكن في الخفاء.
والأهم في قراءة ميلشتاين أنه يعتبر المشروع الاستيطاني الجاري مشروعا قطاعيا (لليمين الديني القومي) ينبع من دوافع دينية مسيانية، ويجري تسويقه باعتباره مشروعا وطنيا، محذرا من أن القيم المتبلورة في بعض المستوطنات تنتقل تدريجيا إلى إسرائيل كلها، من عداء للآخر إلى تقديس للقوة ولامبالاة بما يقوله العالم.
ويحذر الكاتب من أن هذا "المشروع الذي كان من المفترض أن يبقى هادئا تحول إلى مشروع صاخب، يغير تدريجيا صورة إسرائيل ويحدد مصيرها".
وتتفق هذه المقالات، ومعها تصريحات بالوط على أن الضفة الغربية تدخل مرحلة أخطر من مجرد التصعيد، إذ أن الجيش هناك يوسع هامش القتل ضد الفلسطينيين، والقضاء يتساهل مع إرهاب المستوطنين، والحكومة تخنق السلطة ماليا مع دعوات صريحة لتفكيكها، والتيار الاستيطاني يحوّل الصدمة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى فرصة لفرض وقائع ضم وطرد وسيطرة.
والخلاصة هي أن إسرائيل لا تدير الضفة اليوم بسياسة أمنية مؤقتة، بل بمنطق إعادة تشكيل شامل، يُعامل فيه الفلسطيني كتهديد دائم، والمستوطن العنيف كعبء اجتماعي يجب احتواؤه، والسلطة كجسم ينبغي إنهاكه دون إسقاطه فورا.
وبهذا المعنى، لا تقف الضفة على حافة انفجار أمني فقط، بل أمام مشروع يغيّر علاقتها بإسرائيل، ويغيّر إسرائيل نفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة