آخر الأخبار

مفتتح فن الرواية.. هل تحمل "دون كيشوت" بصمة الأدب العربي؟

شارك

في مادة سابقة، توقفنا عند سيرة ميغيل دي ثرفانتس سابيدرا (1547-1616) مؤلف "دون كيشوت دي لا مانشا"، وعند الفرضية التي يتبناها فريق من الباحثين -في مقدمتهم الأكاديمي العراقي محسن (مطلك) الرملي في رسالته "الخلفية العربية لثرفانتس وأعماله" (مدريد، 2003)- ومفادها أن عائلة الكاتب تنحدر من مسلمين أُجبروا على التنصر في أعقاب سقوط غرناطة عام 1492، وأن مسيرته الغامضة وعلاقاته المشبوهة بالجالية الموريسكية تدل على خلفية عربية إسلامية مكتومة.

لكن هذه الفرضية البيوغرافية، على أهميتها، تظل ناقصة ما لم تجد لها صدى في النص الروائي نفسه. فهل يحمل "دون كيشوت" -في تقنياته وشخصياته ومعجمه وبنيته- ما يدعمها؟ إلى هذا السؤال ننصرف الآن.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الكرنك يتكلّم.. يحيى الطاهر عبد الله واستعادة النص المفقود
* list 2 of 2 "تتويجا للشعرية".. جائزة الأركانة العالمية للشعر تكسر قاعدتها وتعلن فوز 4 فلسطينيين end of list

النكهة العربية في الأسلوب والحبكة

لا مراء في أن أغلبية أعمال ثرفانتس الرئيسية تمتاز بنكهة عربية إسلامية، إما على صعيد المواضيع المثارة، أو من جانب التقنيات السردية والأساليب الحبكية والصياغة الروائية. إن باحثين مرموقين -من ضمنهم الخبير في الأدب الإسباني القديم ألبارو غاليس دي فوينتي- قد أبرزوا في بحوثهم الرائدة أن الأدب الإسباني الأصيل، سواء أكانت القصائد الملحمية كـ"أغنية (ملحمة) السيد"، أو منتخبات القصص والحكايات والأمثال، تأثر تأثرا ملموسا بالأدب العربي.

ولم يسلم ثرفانتس من هذا التأثر، كما يتبين لنا في "دون كيشوت" نفسه، حيث نجد تقنيات تذكرنا بآليات السرد القصصي عند العرب، من "ألف ليلة وليلة" إلى السِّيَر الملحمية لفرسان مغاوير كعنترة بن شداد وبيبرس وسيرة بني هلال.

مصدر الصورة دون كيشوت لامانشا يحارب طواحين الهواء على طراز بيكاسو (شترستوك)

والحقيقة أننا نلمس في حكاية "الشريف العبقري" دون كيشوت (ويحيلنا تركيب العنوان الكامل للرواية إلى أسماء السِّيَر العربية القديمة) قيَم الفروسية العربية، من الحكمة إلى الحلم، فالكرامة، والشغف بالشعر وإنشاده، وحب الاستطلاع، والسعي وراء العلم والتثقف، دون التغاضي عن مناصرة المستضعفين في الأرض، وجميعها من صفات الفرسان العرب الأشداء.

إعلان

وإن كنا نسلم بأن "دون كيشوت" ينفرد بصبغة تهكمية ومواربات دلالية تعكس رغبة ثرفانتس في "تسريب" رسائل مشفرة تفلت من عيون الرقابة، فلا بد من قراءة إنتاجه في ضوء "لغة ثانية" بكل ما تحمل العبارة من معان ودلالات. وفي هذا السياق، وبعد التسليم -مع عدد غير يسير من النقاد- بأنه كان يدعو إلى إنشاء مجتمع متعدد المشارب والأفكار ينأى بنفسه عن التطرف والتمييز العرقي أو المذهبي، فإن اللجوء إلى اللغة العربية ورموز حضارتها لهو وسيلة فضلى لتحقيق هذا الغرض.

السرد الشفاهي، والحكاية داخل الحكاية

حين نقارن صيغة الخطاب السردي في "دون كيشوت" مع عيّنات أخرى من الأعمال الأوروبية المعاصرة له، نكتشف تقنيات سردية أقرب إلى الآداب العربية والشرقية منها إلى التراث الرومانيّ الإغريقي، الذي يُشدّد النقد الأدبيّ "التقليدي" على أنّهما يجسّدان الرافدين الأساسيّين للأدب الأوروبي الأصيل.

على سبيل المثال، يذكّرنا عنفوان السرد الشفاهي وإدراج القصة داخل القصة ضمن أسلوب "الحكاية الإطار" بالتقنيات السردية العربية. وكذلك الاستناد إلى المناظرة والنقاش حول موضوعات تبدو قليلة الأهمية، ولكنّها تخفي رسائل "مشفّرة"؛ ثم سوق الأمثال والأحكام والأقوال المأثورة؛ وأيضا التمازج بين خطاب المثقّفين ذوي العلم -كدون كيشوت نفسه أو الشخصيات المتعلّمة المشاركة في كثير من الفصول- وبين كلام البسطاء وحكمتهم الفطرية.

ولا غرابة إذن في أن يضطلع تابعه سانشو بانثا، ممثّل "الشعب"، بدور متميّز في مجريات الرواية، بصفته عنصرا جدليا معاكسا للفارس البطل. ولا بدّ من التشديد على أنّ شخصية التابع سانشو بانثا تناقض الصورة الفروسية النمطية كما نلفيها في كتب الملحمة الأوروبية، حيث يدأب مؤلّفوها على وصف التابع المساعد للفارس -الشاب المكلّف بحمل عتاده ومساندته في القتال ومواجهة الفرسان الخصوم في النزالات- بمواصفات الفرسان أنفسهم. علما بأنّ ثرفانتس يفضّل أن يصوّر تابع دون كيشوت على أنّه كهل سمين قبيح غير متعلّم، هو أقرب من حيث المبدأ إلى شخصية مرافق البطل العيّار الشاطر في المقامات وحكايات الصعاليك العربية، منه إلى شخصية التابع "المتألّق" طبقا لما نجده في كتب الفروسية الأوروبية المثالية.

والحقيقة أنّ دون كيشوت نفسه هو مضادّ البطل المغوار في أسفار الفروسية النمطية، وتكمن هنا قوّة التهكّم والمفارقة ضمن هذا العمل العجيب؛ نقصد قدرتها على قلب النماذج والقواعد الدلالية بطريقة تفتح الباب مشرعا لتفسيرات وتأويلات عديدة.

سيدي حامد بن إنجيلي والمخطوطة المعثور عليها

وما زلنا نألف الثوابت الثقافية العربية والإسلامية في مشاهد أخرى كثيرة، بدءا بحكاية "المخطوطة المعثور عليها بالمصادفة"، وهي حادثة نمطية نلفيها في الأسفار المؤسِّسة لجنس أدب الفرسان والبطولات. إذ يفاجئنا ثرفانتس في الفصل التاسع من الجزء الأول بأن يتوقّف الراوي (ويُفترَض أنّ الأخير هو المؤلّف بحدّ ذاته أو من يحلّ محلّه) على مخطوطة في أحد شوارع مدينة طُلَيْطُلَة، يعيدها إلى راوٍ ثانٍ (أو ثالث إن سلّمنا بأنّ من يعثر على المخطوطة ليس ثرفانتس نفسه)، هو المذكور سيدي حامد بن إنجيلي.

وليست حادثة المخطوطة المخفيّة التي يَستعيدها الراوي حيلة ابتدعها ثرفانتس، وإنما التقطها من أعمال سابقة تَدّعي أنّ هذه المخطوطات مدوَّنة بلغات غريبة جدا كالآرامية أو السريانية أو لغة التتر. وثمّة من يَنسب حكايته إلى قصّاص عربي، مثلما فعل آلونسو دي سالاثار في "سجلّات ليبوليمو الفارس الصليبي" (1521) مع مخطوطة يَعزوها إلى أخباريّ عربيّ يُدعى "شرطون". وكذلك حكاية "بالميرين دي أوليفا" المجهولة المؤلّف -وإن كان جمهور المؤرّخين يَنسبونها إلى فرانثيسكو دي باثكيث (1511)- ويَسرد فيها مغامرات فارس يَتربّع في آخر المطاف على عرش قسنطينة، وذلك انطلاقا من مخطوطة عربيّة قديمة.

مصدر الصورة لوحة زيتية فنية تصور دون كيشوت النحيف مرتدياً درعاً ويحمل رمحاً على حصان نحيف رث (شترستوك)

وثمّة كاتب مبدع اسمه الراهب أنطونيو دي غيبارا يَعتمد على حكاية المخطوطة العربية "المسترجَعة"، ومن الواضح أنّ ثرفانتس يُعوّل تعويلا كبيرا عليه؛ فدي غيبارا يُؤكّد في إحدى حكاياته المؤرَّخة في طُلَيْطُلَة عام 1526، أنّه عثر ذات يوم على مخطوطة عربية ثمينة في دكّان من دكاكين مدينة ثافرا (بلدة "سفرة" الأندلسية) الواقعة اليوم في إقليم إكستريمادورا الغربية، وهي مخطوطة أُعيد استخدامها للكتابة عليها، أي تمّ تدويرها أو "رسكلتها" كما يقال اليوم.

إعلان

ولا سجال في أنّ ثرفانتس أخذ فكرته من كلّ هذه السوابق، لا سيّما أنطونيو دي غيبارا الذي يُشير إليه ضمنا في مقدّمته للطبعة الأولى لدون كيشوت. فلا داعي للادّعاء بأنّه متأثّر بالثقافة العربية لمجرّد أنّه يَلجأ -مثلما لجأ الكثيرون قبله- إلى مناورة "المخطوطة-المفاجأة".

بيد أنّ الغريب في الأمر -وممّا يَدعونا إلى الاعتقاد بأنّ ثرفانتس أراد الترميز إلى شيء ما من وراء استناده هو الآخر إلى هذه التقنية السردية المعهودة- هو أنّ سيدي حامد بن إنجيلي يتمّ ذكره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أكثرَ من ثلاثين مرّة، أي أنّه يَكتسب أهميّة استثنائيّة بالقياس إلى كتب الفروسية الكلاسيكية التي تَستخدم حادثة المخطوطة النادرة بصفتها منطلَقا للسرد لا غير.

وممّا يَزيدنا ذهولا أنّ الراوي الأساسي يَبدأ بالتشكيك في موضوعية سيدي حامد بن إنجيلي، زاعما أنّ الأخباريّين والمؤرّخين العرب "يَنصرفون غالبا إلى التلفيق والكذب فيما يَحكون"؛ ولكنّه يَتحوّل تدريجيا إلى رفع شأن الراوي العربي الأصلي، إلى أن يَجعله مرجعا موثوقا به يُعتدّ به. ولا بدّ أن نُشير إلى أنّ اعتبار مصدر عربيّ مصدرَ ثقة ومرجعيّة، له دلالات اجتماعية واضحة تَتعدّى حدود التقنيات السردية المعهودة في تلك الحقبة.

زد على ذلك أنّ اسم "سيدي حامد بن إنجيلي" له مغزاه الخاص، حيث إنّ اللقب مشتقّ من كلمة "الباذنجان" -كما يُشدّد عليه التابع سانشو بانثا عندما يُحكى له أنّ مغامراته ودون كيشوت مأخوذة من أخبار سجّلها أحد المؤرّخين العرب- أي "ابن الباذنجاني" أو آكل الباذنجان، والمعروف أنّ الإسبان كانوا يَربطون زراعة الباذنجان وأكله بالموريسكيّين. وإن كان النقّاد التقليديّون يُعيدون لقب "بن إنجيلي" إلى الإنجيل، أي العهد الجديد في الكتاب المقدّس، إلّا أنّه تفسير غير منطقيّ يَجعل من هذا المؤلّف "من حيث الباطن" عربيّاً مسيحيّاً لا يَندرج في إطار الرواية ومجرياتها.

دون كيشوت والنبيّ، والقرآن والسرد

وأكثر من هذا وذاك، فإنّ الأستاذ الرملي يُشير إلى أنّ سيرة دون كيشوت كما دوّنها ثرفانتس تَضمّ وقائع ومشاهد تُقرّب شخصية البطل من ترجمة النبيّ محمد رسول الإسلام، ومما يَزيد من رجاحة هذه الفرضية أنّ دون كيشوت يُثري خطاباته وحواراته بأحكام ونصح وتوجيهات مماثلة لأحاديث السيرة النبوية المتّفق عليها. وعليه، فإنّ ترتيب فصول النصّ يَحملنا -في رأي الأستاذ الرملي- على استذكار تنظيم القرآن الكريم وسوره وآياته الموردَة في مخطوطات المصاحف المنتشرة في عصر ثرفانتس.

وتَحتاج مثل هذه النظريات إلى الفحص والتنقيح ومزيد من التحجّج، ولكن الأمر اليقين أنّ كتاب دون كيشوت متأثّر قلبا وقالبا بالثقافة العربية. وأكثر ما يَدلّ على ذلك استخدام بطل الحكاية مفردات إسبانية ذات جذور عربية مثل: aldea, horro, sacre, almodóvar, alboque, albacea, mezquino, borceguí, maravedí، وهكذا إلى أن يَربو مجموع المفردات العربية الأصل على المئتين. ولا غرابة في الأمر إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ العربية كانت في ذلك الوقت -وما زالت- اللغةَ الرافدةَ الثانية للإسبانية بعد اللاتينية.

مصدر الصورة النصب التذكاري لدون كيشوت لامانشا في مدريد، إسبانيا (شترستوك)

ولكنّ الملفت للنظر أنّ دون كيشوت خصّص أحد خطاباته التربوية المعهودة الموجَّهة إلى "تلميذه" سانشو بانثا (الفصل 67 من الجزء الثاني) لجرد المفردات الإسبانية المنحدرة من أصول عربية، متطرّقا إلى "قاعدة عامّة" لتمييز المصطلحات العربية من غيرها، وهي المبتدئة غالبا بأل التعريف (مثل alguacil المأخوذة من كلمة "الوزير"). كما يُباغتنا بطل الرواية بكلمات عربية متخصّصة لا يَعرفها عامّة الناس، كـ azalá, guala, nizarani, Alá, alfaquí, agi, adunia (الفقيه، الله، نصراني، والله، الصلاة، الدنيا، والحاجّ) وغيرها من المفردات المختصّة بالمسلمين وعاداتهم، وكانت متداولة لدى الموريسكيّين، ولكنّها ظلّت مجهولة لغالبية الإسبان المسيحيّين "القدامى".

إعلان

وللمسألة شجون إن أخذنا بالحسبان أن ثرفانتس لا يُبدي الاهتمام نفسه بلغات أخرى انصهرت مصطلحاتها في اللغة الإسبانية، كالإيطالية أو الفرنسية أو الإغريقية التي تتوفر توفرا ملحوظا في لغتنا الإسبانية، ثم كيف نفسر استناده إلى حِكم وأقوال مأثورة تختزل بالحرف الواحد تعابير عربية الأصل نجدها في كتب التاريخ والأخبار؟ وكان الأساتذة مصطفى كامل الشيبي ومحمد مكّي وغيرهما قد لفتوا النظر إلى المصطلحات والمواضيع والتلميحات العربية الواردة في النص، إلا أن هناك جوانب كثيرة لا تزال مخفية تعزز نظرية الخلفية العربية الإسلامية للكتاب. وللأسف لم تتعمق الترجمات العربية -وقد أُنجزت في مرحلة متأخرة جدا، إذ تعود أولاها إلى منتصف القرن العشرين على يد الأستاذ عبد العزيز الأهواني (الجزء الأول فقط)- في العلاقة البيّنة وغير البيّنة بين دون كيشوت واللغة والثقافة العربيتين.

بين الحيرة والكتمان

وممّا لا مفر منه أن سواد الدارسين أَسقط في أيديهم لمّا صادفوا هذا الاهتمام الزائد عند شخصيات الكتاب باللغة والثقافة العربيتين، والمصطلحات الخاصة بالمسلمين مثل "الصلاة" أو "الزكاة" أو "الحج". ومن يعلم هل انصرفوا -وهم في مثل هذه الحالة من الحيرة- إلى تجاهلها أو اكتفوا بشروح مبسطة، في محاولة منهم لاستبعاد أي صلة لثرفانتس -"الكاتب الوطني الإسباني"- بالموريسكيين والديانة الإسلامية.

مصدر الصورة تمثال سانشو بانزا ودون كيخوته في ساحة إسبانيا (شترستوك)

ولا داعي -كما أسلفنا- للتشكيك في التزام الكاتب بالمعتقدات الكاثوليكية الرئيسية، إلا أنه يفسح المجال في الوقت ذاته أمام حرية التفكير والتسامح الديني والانفتاح على الثقافات الأخرى، حتى وإن لم يفعل ذلك دوما بصورة صريحة مباشرة، مما يدعو إلى الافتراض بأنه كان متعودا على التعايش مع أشخاص لا يتبعون العقيدة الرسمية السائدة.

على كل حال، ليس من السهل الوقوف على "حقيقة" هذا النص الفريد، لأن كاتبه يتمادى في استخدام التهكم الذي -مثلما قال أحد دارسيه- "قد نعرف أين يقع، ولكن قد لا نعلم إلامَ يرمز بالتحديد" (شيلديرز). وإن تميز "دون كيشوت" بشيء، فإنه التمادي في التهكم والسخرية والرمزية لدرجة لم يسبقه إليها أحد. والمؤكد أن الخلفية العربية كان لها دور في هذه الخصوصية الدلالية، فمثلما قال ذات مرة الكاتب الألماني غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل للآداب: "لولا الثقافة العربية لما استطاع ثرفانتس أن يجد شكله القصصي".

أستاذ اللغة والأدب العربي والتاريخ المعاصر في العالم الإسلامي – بقسم الدراسات العربية والإسلامية – جامعة أوتونوما بمدريد

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا