تُظهر التقارير الواردة في صحف "تايمز" و"إندبندنت" و"غارديان" البريطانية أن الانتخابات المجرية تمثل حالة فريدة في السياسة الدولية، حيث لا تشكل المجر ساحة للتصادم بين واشنطن وموسكو، بل تحولت إلى نقطة التقاء لاهتماماتهما المشتركة.
ووفقا لهذه الصحف، يبرز رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان كشخصية يحتاجها الطرفان في آن واحد؛ فبينما يراه تيار " ماغا" في أمريكا حليفا أيديولوجيا ملهما، يراه الكرملين في موسكو أداة إستراتيجية لتعطيل الوحدة الأوروبية، مما يجعل بقاءه في السلطة مهما لكل من واشنطن وموسكو.
وتوضح صحيفة "تايمز" أن أوربان بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس ليس مجرد زعيم لدولة صغيرة، بل هو "رائد الثورة الأيديولوجية المضادة" التي تهدف إلى تفكيك النظام الليبرالي. فواشنطن ترغب في فوز أوربان لأن نجاحه يمنح الشرعية لنموذج "الديمقراطية غير الليبرالية" الذي يسعى تيار "ماغا" لترسيخه عالميا.
وبحسب "غارديان"، فإن فانس ذهب، خلال زيارته الأخيرة لبودابست، أبعد من الدعم الدبلوماسي التقليدي حين أشاد بقيم أوربان، معتبرا أن هزيمته قد تمثل بداية النهاية للمشروع الأيديولوجي القومي في أوروبا، وهو ما يفسر الاستماتة الأمريكية في دعمه كحليف لا كخصم.
في المقابل، يبرز الاهتمام الروسي كطرف ثانٍ يشارك واشنطن الرغبة في بقاء أوربان، ولكن بدوافع جيوسياسية تتعلق بالأمن والدفاع. وتشير "تايمز" إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرى في أوربان "المعطل الداخلي" الأساسي للاتحاد الأوروبي و حلف شمال الأطلسي. فمن خلال استمرار أوربان في السلطة، تضمن موسكو وجود صوت يعرقل إمدادات الأسلحة ل أوكرانيا ويعارض العقوبات الاقتصادية.
هذا "التقاطع" في الرغبات يجعل من أوربان لاعبا نادرا يحظى برضا القطبين، فهو يضعف التكتل الأوروبي الذي يزعج واشنطن-ترمب أيديولوجيا، ويزعج موسكو أمنيا. إن سر الاهتمام الروسي يكمن في الحفاظ على هذا التصدع داخل الجبهة الغربية، وهو ما ينسجم بشكل غريب مع رغبة واشنطن في إضعاف "بيروقراطية بروكسل".
وتكشف صحيفة "إندبندنت" جانبا آخر لهذا الاهتمام الثنائي يتعلق بالقيم المشتركة؛ فأوربان استطاع خلق لغة خطاب تروق للطرفين، ترتكز على معاداة الهجرة وحماية القيم التقليدية. فهذا الخطاب جعل من المجر "قبلة" لليمين العالمي، حيث يرى فيه فانس حماية للحضارة الغربية، بينما يراه بوتين توافقا مع رؤيته للمجتمع المحافظ.
هذا الانسجام الأيديولوجي دفع القطبين لتقديم الدعم لأوربان في مواجهة منافسه بيتر ماغيار، الذي تعتبره "غارديان" التهديد الحقيقي الوحيد الذي قد يعيد المجر إلى الحاضنة الليبرالية الأوروبية، وهو أمر لا ترغب فيه واشنطن-ترامب ولا موسكو.
ويبرز سر الاهتمام الثنائي أيضا في ملفات الطاقة والسيادة، حيث تشير التقارير إلى أن المجر تحت حكم أوربان أصبحت جسرا للمصالح المشتركة. فبينما تشجع واشنطن-ترمب سياسات أوربان "السيادية" التي تتحدى الاتحاد الأوروبي، تستفيد موسكو من هذه السيادة لإبقاء المجر مرتبطة ب الغاز الروسي.
وتلفت "غارديان" الانتباه إلى أن فانس وتيار "ماغا" يتجاهلان عمدا صفقات أوربان مع الكرملين والصين، لأن الأولوية بالنسبة لهم هي الحفاظ على "النموذج السلطوي" ناجحا في صناديق الاقتراع، حتى لو كان ذلك يخدم مصالح روسيا بشكل غير مباشر.
علاوة على ذلك، توضح الصحف الثلاث أن هذا الاهتمام ليس صراعا على المجر، بل هو "استثمار" في أوربان؛ فالولايات المتحدة تستثمر فيه كواجهة لليمين القومي، وروسيا تستثمر فيه ككاسر للوحدة الأطلسية. فهذا الرهان المشترك هو ما دفع فانس للقيام بزيارته التاريخية وتوجيه انتقادات حادة للاتحاد الأوروبي، واصفا تدخلات بروكسل بأنها "أسوأ أنواع التدخل الأجنبي"، وهو خطاب يخدم الرواية الروسية والمجرية في آن واحد.
وإن السر يكمن في أن كلا من واشنطن وموسكو تجدان في أوربان الزعيم الذي يشاركهما الرغبة في تغيير النظام العالمي الحالي القائم على المؤسسات الدولية.
ختاما، تؤكد تقارير "تايمز" و"إندبندنت" و"غارديان" أن انتخابات المجر تعكس حالة نادرة من "التوافق الجيوسياسي" بين قوتين متنافستين عادة.
وإن سر الاهتمام الثنائي، مرة أخرى، يكمن في أن سقوط أوربان سيمثل خسارة مزدوجة؛ خسارة لنموذج أيديولوجي يراهن عليه ترمب في أمريكا، وخسارة لأداة إستراتيجية يستخدمها بوتين لإضعاف أوروبا.
ولذلك، تظل بودابست اليوم المنطقة الوحيدة التي يتفق فيها البيت الأبيض (المستقبلي) والكرملين على ضرورة بقاء "الرجل القوي"، مما يجعل من هذه الانتخابات درسا في كيفية تحول المصالح المتعارضة إلى دعم مشترك لزعيم استطاع أن يقنع القطبين بأنه ضرورة لكليهما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة