تطرح تهديدات دونالد ترمب لإيران سؤالا يتجاوز ضجيج التصريحات بحسب محللين: ما الحد الفاصل بين استخدام القوة والوعيد بما تحظره قوانين الحرب؟
فحين يلوّح رئيس الولايات المتحدة بقصف الجسور ومحطات الكهرباء ومنشآت تحلية المياه، لا يعود الأمر شأنا خطابيا عابرا، بل اقترابا من منطقة أشد خطورة، حيث يضيق الفارق بين لغة الحرب وشبهة الجريمة.
ومن هذا المنطلق، تلتقي صحيفتا إندبندنت وغارديان البريطانيتان عند سؤال واحد: ماذا يعني أن تصدر مثل هذه التهديدات من القائد الأعلى للجيش الأمريكي، وما الذي يحدث إذا انتقلت من منصة التصريح إلى سلسلة الأوامر؟
بحسب إندبندنت، فإن المؤتمر الصحفي الذي أراده ترمب مناسبة للاحتفاء بإنقاذ طيار أمريكي أسقطت طائرته فوق إيران، تحول إلى منصة جديدة للتهديد والتباهي والادعاءات المضطربة.
وتقول الصحيفة إن الرئيس لم يكتف بتكرار حديثه عن الانتصار، بل لوّح صراحة بقصف البنية التحتية المدنية في إيران، مهددا بأنه بعد انقضاء المهلة "لن يكون لديهم جسور، ولن تكون لديهم محطات كهرباء"، مشبها التصور بـ"العصور الحجرية".
الخطر لا يكمن في اللغة وحدها، بل في ما قد يحدث إذا انتقلت التهديدات من المنصة إلى سلسلة الأوامر
ويلفت التقرير إلى أن هذا التصعيد لم يأت في سياق عسكري بارد أو خطاب سياسي محسوب، بل اقترن أيضا بهجوم على الصحافة، وادعاءات مضطربة بشأن إسقاط الطائرة الأمريكية وكيفية كشف موقع الطيار.
وبهذا، لم يعد المشهد، في قراءة الصحيفة، مجرد استعراض قوة، بل أقرب إلى خطاب حرب يتخفف من الضوابط ويقترب من التهديد بما تحرمه قوانين النزاع نفسها.
إيران وصفت التهديدات الأمريكية بأنها لا تنسجم مع أي تفاوض، بل تنطوي على وعيد بارتكاب جرائم حرب
هنا، تنتقل إندبندنت من توصيف فوضى الأداء إلى جوهر أخطر. فحين سُئل ترمب صراحة عما إذا كان استهداف البنية التحتية المدنية ينتهك اتفاقات وقوانين الحرب التي أسهمت الولايات المتحدة نفسها في صياغتها بعد الحرب العالمية الثانية، لم يُبد الرئيس، بحسب التقرير، اكتراثا جديا بهذا القيد.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل يبالغ الرئيس؟ بل: ماذا يعني أن يلوّح رئيس الولايات المتحدة علنا بقصف أهداف تقوم عليها حياة المدنيين؟
ويشير التقرير كذلك إلى أن إيران التقطت هذا المعنى بوضوح، إذ وصفت التهديدات الأمريكية بأنها لا تنسجم مع أي تفاوض، بل تنطوي على وعيد بارتكاب جرائم حرب.
وهكذا، تبدو المسألة، في عرض إندبندنت، أبعد من مجرد بلاغة هجومية؛ إنها اقتراب معلن من منطقة يحكمها القانون الدولي الإنساني بأشد قواعده صرامة.
أما غارديان، فتنقل السؤال من منصة التصريحات إلى قلب المؤسسة العسكرية الأمريكية. فبحسب تحليل الكاتب البريطاني جوليان بورغر، فإن تهديدات ترمب تضع الضباط والجنود أمام معضلة مباشرة: هل يطيعون أوامر قد تكون غير قانونية، أم يرفضونها ويواجهون تبعات العصيان؟
ويشير التحليل إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية لبلد يضم 93 مليون نسمة لا يثير، لدى كثير من خبراء القانون، خلافا يذكر إذا نُفذ على النحو الذي يهدد به ترمب، من حيث كونه يندرج ضمن أخطر صور جرائم الحرب.
وتنقل الصحيفة عن قانونيين عسكريين أمريكيين سابقين أن تصريحات كهذه تصطدم بعقود من التدريب القانوني والأخلاقي داخل الجيش الأمريكي، القائم على التمييز بين الأهداف العسكرية وما تقوم عليه حياة المدنيين.
وتضيف الغارديان أن المعضلة تزداد ثقلا في ضوء تغييرات أجراها ترمب ووزير حربه داخل البنتاغون، شملت إقصاء كبار القانونيين العسكريين، إلى جانب حل وحدة مختصة بتخفيف الأذى اللاحق بالمدنيين.
وبهذا، لا تبدو المشكلة فقط في احتمال صدور أوامر غير قانونية، بل أيضا في تآكل الحواجز المؤسسية التي كان يمكن أن تحد منها أو تؤخرها.
ويستحضر التحليل سوابق من التاريخ العسكري الأمريكي، مثل مجزرة ماي لاي في فيتنام، ليؤكد أن الاحتجاج بتنفيذ الأوامر لا يكفي حين تكون الأوامر "فاضحة اللاشرعية".
حين يلوّح القائد الأعلى باستهداف ما تقوم عليه حياة المدنيين، لا يبقى الجدل سياسيا فقط، بل يمسي قانونيا وأخلاقيا أيضا
ولا يقف القلق، في تحليل الصحيفة، عند حدود الضربات التقليدية، بل يمتد إلى الخشية من رئيس متقلب قد يدفع نحو خيارات أشد خطورة، في ظل نظام يمنحه وحده سلطة إصدار أمر باستخدام السلاح النووي، ما لم يقرر مَن في سلسلة القيادة أن الأمر غير قانوني.
وتوحي الصحافة البريطانية بأن المشكلة لا تكمن فقط في لغة ترمب وحدها، بل في أن هذه اللغة، إذا تحولت إلى أوامر، قد تدفع الولايات المتحدة إلى تخوم ما تحظره قوانين الحرب، وتضع جيشها أمام اختبار نادر: الطاعة للرئيس أم الطاعة للقانون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة