في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لندن- في قلب "وايت هول"، حيث تقاطع التاريخ بالاحتجاج، لم يكن الهجوم على زعيم حزب "الإصلاح" نايجل فاراج أخلاقيا فحسب، بل كان "محاكمة سياسية" لجوهر أطروحاته.
وبينما يُصرُّ فاراج على تصوير "قوارب المهاجرين" على أنها غزو يهدد أمن البلاد، جاء الرد من فوق المنصات ومن بين الحشود بأن هذه القوارب ليست سوى "رسائل مشفرة" بعثت بها الحروب التي تشنها القوى الكبرى على المنطقة.
وربط النشطاء والمتحدثون -في مسيرة حاشدة انطلقت السبت وسط العاصمة البريطانية لندن– بجرأة بين السلاح الذي يُصدّر واللاجئ الذي يفرّ، مؤكدين أن "تجار الكراهية" يتجاهلون عمدا أن الهجرة غير النظامية ليست خيارا، بل هي هروب من "محارق" لم تكن شعوب المنطقة يوما وقودا لها باختيارها.
وبحسب المحللين، فإن استهداف "الكوفية" (رمز فلسطين) أو "الحجاب" في شوارع بريطانيا ليس إلا الوجه الآخر لتبرير قصف المدنيين في عواصم الشرق، في محاولة يائسة لعزل الأصوات المطالبة بوقف آلة الحرب الدولية.
ومشهد "النهر البشري" الهادر لم يكن بعفوية محضة، بل نتاج حشد إستراتيجي لـ250 منظمة حقوقية ونقابية تمثل في عمقها كتلة صلبة من 7 ملايين بريطاني. وهذا العدد لم يكن مجرد إحصائية، بل "رسالة ردع" وجّهها المنسّقان، سابي دالو وكيفين كورتني، إلى اليمين المتطرف الذي اختار "التواري الصامت" أمام ضخامة الحشد.
وأعلن كورتني، بنبرة ملؤها الثقة، أن هذه هي "المظاهرة الأضخم في تاريخ البلاد ضد اليمين المتطرف"، معتبرا أنها منحت المجتمع البريطاني "المصل الواقي" ضد سموم التقسيم، مؤكدا حضور ما يتجاوز نصف مليون متظاهر في المسيرة التي امتدت لأحياء عدة، معلنة أن الشارع اللندني لم يعد "مساحة مستباحة" لمن يقتاتون على الفتنة.
وقاد جيرمي كوربن، زعيم حزب "حزبك" الذي أسسه حديثا عقب استقالته من حزب العمال الحاكم، المسيرة التاريخية جنبا إلى جنب مع زعيم حزب الخضر زاك بول بولانسكي، حيث سار القطبان في طليعة هذا الزحف البشري قائدَين ميدانيين في مواجهة مباشرة مع أجندات اليمين.
ولم يكتف كوربين، الذي وصف المسيرة في حديث للجزيرة نت بأنها "مشهد مذهل وأكبر بكثير مما توقعه الكثيرون"، بنقض شعارات نايجل فاراج، بل قدم "مانيفستو" سياسيا واقتصاديا نزع القناع عن زيف "سياسة التخويف" التي تتبناها أطراف السلطة واليمين على حد سواء.
ووجه كوربين رسالة حادة إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وحكومته، مطالبا إياهم بالتوقف الفوري عن "استرضاء اليمين المتطرف" وعن كل هذا "الهراء" المتمثل في محاولات إنهاء حق الإقامة الدائمة.
وفكك كوربين بلهجة تشريحية منطق "لوم الضحية"، مؤكدا أن مطالب فاراج بـ"وقف القوارب" هي معالجة بائسة للنتائج مع تعمد إخفاء الأسباب الحقيقية؛ فالحروب التي تُشن بأسلحة بريطانية وأمريكية هي المُحرّك الأول لهذا الشتات، موجها حديثه للسلطة: "أنتم من يصنع اللاجئين في بلدانهم، ثم تلاحقونهم في بحارنا".
وعزّز ممثل المجلس الإسلامي في بريطانيا، الدكتور واجد أختار، هذا الربط بين السياسة الكبرى والواقع اليومي، الذي وضّحه في حديثه للجزيرة نت حول "الآلية الخبيثة" التي يتبعها اليمين المتطرف ليس في المملكة المتحدة فحسب، بل عبر أوروبا قاطبة.
واعتبر أن استهداف المسلمين والمهاجرين والملونين هو "سلاح إلهاء جماعي" صُمم بدقة لصرف الأنظار عن الفشل الذريع لنتائج "بريكست" (خروج بريطانيا رسميا من الاتحاد الأوروبي) وأزمة تكلفة المعيشة وانهيار الاقتصاد البريطاني.
ورغم كشف أختار عن الفاتورة الإنسانية لهذا التحريض، إذ أصبحت النساء المسلمات يتعرضن لهجمات عنصرية في الحافلات والقطارات، فإنه ذهب أبعد من التوصيف المحلي، موضحا أن الحكومات أصبحت تستجيب لضغوط اليمين والمليارديرات وجماعات المصالح المستفيدة من "الحرب تلو الأخرى"؛ من شركات الأسلحة إلى مديري صناديق التحوُّط، بينما يدفع البسطاء ثمن هذه الصواريخ من ميزانياتهم المنهكة.
وختم بأن هذه المظاهرة "سد منيع" يمارس ضغطا شعبيا مضادا لإجبار الحكومة على تحقيق المساواة، مؤكدا لليمينيين أنهم "أقلية مأجورة" أمام أغلبية بريطانية تؤمن بالوحدة والحقوق المتساوية للجميع.
ولم يخلُ هذا "السبت الكبير" من احتكاكات ميدانية وضعت شرطة "المتروبوليتان" في حالة استنفار قصوى؛ فبينما كانت المسيرة تشق طريقها، تدخلت الشرطة في منطقة "بال مال" لمنع وقوع اشتباكات عقب ظهور مجموعات من "المحتجين المضادين" على مسار الحشد الرئيسي.
وفرضت السلطات شروطا صارمة بموجب قانون النظام العام، أجبرت المتظاهرين المعارضين على البقاء في مواقع محددة لمنع حدوث فوضى عارمة.
لكن المشهد الأكثر تعقيدا تجسد أمام مقر القيادة العامة للشرطة "نيو سكوتلاند يارد"؛ حيث اعتقلت القوات 18 شخصا بتهمة التضامن مع منظمة "فلسطين أكشن"، المحظورة بموجب قانون الإرهاب البريطاني.
هذا التصعيد تزامن مع توتر آخر في منطقة "مايدا فيل"، حيث طوّقت الشرطة "المركز الإسلامي في إنجلترا" للفصل بين مؤيدي ومعارضي النظام الإيراني الذين تجمهروا على جانبي الطريق، مما حول العاصمة إلى "مربعات أمنية" يحاول فيها الأمن ضبط إيقاع غضب سياسي عابر للقارات.
ولم يكن الحضور اليهودي أقل صخبا؛ حيث برز جلين سيكر، الشخصية التي تعكس تحولات الاحتقان السياسي في بريطانيا. وأكد سيكر الذي يشغل منصب الأمين العام لـ"صوت يهود من أجل الحرية" أن "كتلة اليهود" تشارك اليوم لأن معارضة العنصرية، هي "أمر أساسي لوجودنا".
وأوضح سيكر للجزيرة نت أسباب معارضته لهجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو "غير المبرر" على إيران، مؤكدا أن الهجوم استهدف إجهاض المفاوضات النووية الجارية ومنعها من أن تؤتي ثمارها، واعتبر أن هذا العدوان ليس إلا تنفيذا لأجندة "نتنياهو" الممتدة 40 عاما، والرامية لإزالة إيران لأنها قوة إقليمية معارضة للمشروع الإسرائيلي.
ووضع سيكر النقاط على الحروف في "معادلة التضامن"، مؤكدا أن "معارضة النظام الإيراني الاستبدادي الذي قتل أعدادا هائلة من المتظاهرين السلميين، لا تعني بأي حال قبول قصف بلاده أو تبرير العدوان عليها". وبذات القوة، شدد على أن الوقوف ضد الحرب لا يعني تأييدا للنظام أو تبييضا لصفحته العنيفة، على حد قوله.
واختتم بأن مشاركتهم بمثابة صرخة يهودية من قلب لندن تنتصر لـ"الإنسان الإيراني" وحقه في عدم التعرض لحمم القنابل، بعيدا عن صراعات الأنظمة وتوازنات القوة، مؤكدا أن الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران يبدأ بحمايته من آلة الحرب الخارجية، تماما كما يبدأ برفض القمع الداخلي.
وفي هذا السياق، اعتبر جيرمي كوربن المسيرة بمثابة "تعبئة عامة" لانتخابات 7 مايو/أيار القادم المحلية.
الرسالة التي صاغها تحالف "الـ7 ملايين" كانت واضحة: الهجرة هي "ابنة الحروب"، والمهاجرون هم "أطباء المستقبل"، واليمين المتطرف هو "عدو الاستقرار الاقتصادي".
وبين صرخات بيروت وهتافات لندن، رفع المتظاهرون أصواتهم في الشارع البريطاني اليوم بأنهم يرفضون أن تكون الكراهية هي "العملة الوحيدة" في سوق السياسة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة