آخر الأخبار

أسرى محررون يستذكرون معاناتهم داخل سجون الاحتلال خلال رمضان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- لم يكن وصول التقويم الهجري إلى الأوّل من رمضان داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي مجرّد معلومة زمنية عابرة؛ بل كان الذكرى الأقسى التي عاشها الأسرى داخل الزنازين. فالانتقال الفجّ من يوم عادي إلى ليلة رمضانية أولى، كان يكشف اتساع الفجوة بين عالم تركوه خلفهم بكل ما يحمله من موائد عامرة ومساجد مضاءة ودفءٍ وعادات عائلية، إلى آخر مغلق ومراقَب ومسلوب من أبسط ملامح الروحانية.

وكشف عدد من المحامين للجزيرة نت أن كثيرا من الأسرى الفلسطينيين لم يعلموا أصلا بدخول هذا الشهر إلا بعد مرور أيام، وأن الأسرى لا يُخبرون بمواقيت الإفطار والإمساك.

وقال الأسير المحرّر عماد الإفرنجي للجزيرة نت إن العزل التام للأسرى أفقدهم الإحساس باليقين الزمني، وإن تقدير الوقت بالإجماع كان الحل الوحيد لتعويض غياب المعلومة.

مصدر الصورة الأسير المحرر عماد الإفرنجي: العزل التام للأسرى أفقدهم الإحساس باليقين الزمني (الجزيرة)

عزل وتجويع

وكان تحديد مواقيت الصلاة يعتمد في الغالب على الشمس والظل، بحسب ما رواه ناجي الجعفراوي للجزيرة نت، حيث تحدد صلاة الظهر عند تعامد الظل من نافذة الزنزانة الصغيرة، والعصر عند وصول ظل الشيء إلى مثله، أما المغرب فعند اختفائه، ثم العشاء بعده بساعة ونصف تقريبا.

أما صلاة الفجر، فكانت، بحسب محمد قاعود، الأكثر صعوبة؛ إذ يمنع غياب الضوء القدرة على التقدير، فكان كثيرون يتسحّرون قبل النوم أو يمتنعون عن السحور خوفا من الوقوع في الخطأ.

وأكد المحررون أن الأسرى مفصولون تماما عن الزمن، بلا أي علم باليوم أو التاريخ أو السنة التي يعيشون فيها، وكانت طرق معرفتهم بالتواريخ إما من خلال جلسات المحاكم أو مقابلات المحامين، أو عن طريق دخول أسير جديد يخبرهم بتاريخ اليوم، ثم يبدؤون بالعد من اللحظة التي علموا فيها به.

وبينما يُجمِع الأسرى المحررون الذين قابلتهم الجزيرة نت على أن الاحتلال يستخدم التجويع أداة ابتزاز قاسية، فإنه في رمضان يتخذ من هذا السلاح بُعدا أشد وطأة، ويستخدمه للإهانة والتضييق.

مصدر الصورة الأسير المحرر محمد قاعود: معرفة وقت صلاة الفجر كان الأكثر صعوبة (الجزيرة)

يقول الجعفراوي إن الإفطار والسحور كانا يُؤخَّران عمدا، وأحيانا يُوضع الطعام أمامهم والنهار لا يزال قائما، ويُجبرون على الأكل قبل دخول الوقت. وقد كان مصير من يمتنع عن الأكل الضرب المبرح من الجنود الإسرائيليين، فلا يملك الأسرى سوى الاضطرار لذلك وهم يهمسون بقول الله تعالى "إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ".

إعلان

من جانبه، أضاف قاعود أنه "كثيرا ما كان الطعام يُترك ساعات طويلة قبل توزيعه، مكشوفا أو مبللا أو مداسا بالأقدام، حتى يصبح مقززا وغير صالح للأكل".

وروى أن السجانين كانوا أحيانا يتعمّدون شواء اللحم مقابل الزنزانة ويوجّهون المراوح نحو الأسرى كي تصلهم الرائحة بعد شهور من الحرمان من اللحم، في محاولة فجّة لكسرهم ودفعهم للاعتراف، وقال "ضباط التحقيق كانوا يستغلون لحظات الجوع الحاد لانتزاع اعترافات ملفقة عبر عرض أصناف الطعام أمام المعتقلين في غرف التحقيق".

صورة متكررة

أما الإفرنجي، فيتوقف عند البعد النفسي للحظة الإفطار، ويوضح "كنتُ أرفع اللقمة إلى فمي وأتساءل: هل عائلتي بخير؟ هل يأكلون الآن؟ أم أنهم جائعون؟ من منا يحتاج أن يدعو للآخر؟". ولفت إلى أن الاحتلال كان يتعمد قبيل الإفطار إجراء تنقلات واقتحامات وتحقيقات مفاجئة لإرباك الأسرى المنهكين من قلة الطعام.

من ناحيتها، أكدت مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة للجزيرة نت أن ما رواه المحررون صورة متكررة وثّقها النادي عبر مقابلات الأسرى وشهاداتهم. وأضافت أن كثيرا من الأسرى يعتمدون عمليا على الصيام القسري بسبب قلة كميات الطعام ورداءتها، فيضطرون إلى ادخار وجبة النهار للإفطار لأنها لا تكفيهم.

ووصفت نوعية الطعام بأنها أقرب إلى الإبقاء على الحياة منها إلى توفير وجبة، وأوضحت "السحور لا يتجاوز لقيمات من المربى واللبنة وقطعة خبز، وقد أفاد بعض الأسرى بأن السجانين قدموا لهم بيضا مطهوا منذ أيام بروائح نفّاذة، أما على الإفطار فيُقدَّم لهم عدد من ملاعق الأرز غير المطبوخ جيدا، وشيء يشبه الحساء فيه ماء قليل وقطع خضار".

ولا تتوقف ظروف رمضان عند الجوع، وفق سراحنة، فهناك سجون لا يتوفر فيها القرآن مطلقا، مما يضاعف من الشعور بالحرمان الروحي داخل الزنازين. وأكد الجعفراوي ذلك وقال "كان يُسمح بمصحف واحد لكل 20 أسيرا، وعند أي مداهمة، كان المصحف يُدعس أو يُمزق أو يُبصق عليه، وأحيانا يُسحب لأسابيع".

لذا، لم تكن العبادة داخل السجون بالنسبة للأسرى مجرد أداء ديني، بل معركة يومية تخاض تحت القمع والمطاردة. ويروي محمد قاعود الوجه الأكثر قسوة لها في سجن سدي تيمان، حيث تحوّلت الصلاة إلى جريمة تستدعي العقاب الفوري.

وذكر أن مجرد الانحناء أو تحريك الشفاه كان كافيا لجر الأسير أرضا وضربه، فالوضوء لم يكن مسموحا به، والمصحف كان ممنوعا تماما، وكل العبادات كانت تُؤدّى سرا تحت الغطاء أو داخل الحمام وبالعين فقط أحيانا، بينما تلاحقهم كاميرات لا تتوقف عن رصد أدق الحركات بـ"سادية مقصودة".

مصدر الصورة الأسير المحرر ناجي الجعفراوي: العبادات كانت خاضعة لكاميرات المراقبة (الجزيرة)

موسم القمع

وفي تفاصيل العبادة اليومية، كان الأسرى يعتمدون على رخصة صلاة فاقد الطهورين، والتيمم يُنجز خفية وفي ثوانٍ معدودة.

وفي السجون النظامية، قال الجعفراوي إنه وُجدت فسحة محدودة للتعبد، لكنها خاضعة لكاميرات المراقبة. فالصلاة الجماعية ممنوعة والأذان محظور وأي صوت يُسمع يعني قمعا فوريا وتفريق الغرفة؛ لذلك كان كل أسير يؤدي عبادته منفردا، أو يحاولون الصلاة سرا في مجموعات صغيرة من 4 أشخاص فقط.

إعلان

ويستعيد تفاصيل حيل التخفي بالعبادة التي شملت خطبة الجمعة التي كانوا يقيمونها سرا، حيث كان يلقي الخطبة وهو جالس وبصوت لا يكاد يُسمع، بينما يتوزع الأسرى في أوضاع متفرقة تخفي أي مظهر للتجمع؛ أحدهم يمشي في الممر، وآخر يستلقي على السرير، وثالث يجلس كأنه يستريح، ورابع يتظاهر بالقراءة. هذا التفكك المتعمّد كان تمويها جماعيا مصمما لخداع الكاميرات التي تلاحقهم بلا توقف.

ولفت الإفرنجي إلى أن رمضان كان "موسما مكثّفا للقمع"، حيث تركز أثناء التراويح وقيام الليل وصلاة الجمعة، واستخدم فيه السجانون الغاز والفصل والإرهاب.

ورغم هذه القيود اليومية، بقيت العبادة الملاذ الأخير وحبل النجاة الذي يربط الأسرى بالله ويمنعهم من الانهيار، كما كانوا يجدون عزاءهم في الاجتماع قبل النوم واستعادة ذكرياتهم سويا وتسلية أنفسهم. ويذكر الجعفراوي مثالا عاشه من ذلك، إذ اقتحم الجنود الغرفة عليهم بالسلاح الثقيل وهم في ذروة اتصالهم الروحاني ووقوفهم في الصلاة وبكائهم، "حين تجمّدوا وتسمّروا مكانهم فلم يستطيعوا الدخول لتتضح هشاشتهم أمام إيمان الأسرى".

من جهته، شدد المحامي خالد زبارقة على أن ما يعيشه الأسرى داخل السجون الإسرائيلية انتهاك صارخ للأعراف الدولية وحقوق الإنسان. وقال للجزيرة نت إن إدارة السجون تتعامل مع رمضان على أنه فرصة لمزيد من العقاب، عبر تضييقات متعمدة وسلب الحقوق الأساسية والتنكيل والإهانة والتجويع، وشح الأغطية والملابس، والإهمال الطبي الواضح، ومنع العلاج الأساسي.

ويظل سعي الاحتلال إلى تحويل كل لحظة عبادة أو صمود روحي إلى قمع وتعذيب، تحديا يقاوم الأسرى لانتزاع حقهم فيه انتزاعا، كما يؤكدون.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا