باريس- في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة، تجد أوروبا نفسها أمام تصعيد عسكري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، و إيران من جهة أخرى، مما يضع القارة العجوز في قلب هذا التحدي وأمام اختبار إستراتيجي يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وجاءت الاستجابة الأوروبية سريعة في خطابها، وحذرة في مضمونها، ومركزة على مفردات بعينها: خفض التصعيد والدعوة إلى التهدئة، وحماية المدنيين في المنطقة، والتأكيد على القانون الدولي، ومنع اتساع رقعة المواجهة.
لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية، تتباين حسابات العواصم الأوروبية الكبرى بين من يُغلّب منطق التحالف الأطلسي، ومن يضع أولوية الاستقرار لتجنب انزلاق إقليمي قد يهدد أمنها الطاقي واستقرار جوارها الجنوبي.
ومع استمرار العمليات العسكرية وتبادل الرسائل النارية، يبرز سؤال عن مدى قدرة أوروبا على أداء دور فاعل لاحتواء الأزمة، أم إنها ستكتفي بدور المراقب القلق في نزاع يعيد تشكيل ملامح النظام الإقليمي والدولي معا.
وأعلن الاتحاد الأوروبي، اليوم السبت، أنه سيسحب موظفيه غير الأساسيين من الشرق الأوسط، معربا عن قلقه إزاء التطور "الخطير" للوضع في المنطقة في أعقاب الضربات التي نفذتها تل أبيب و واشنطن ضد طهران.
وتتبنى دول الاتحاد خطابا موحدا يدعو إلى خفض التصعيد وضبط النفس، مع تأكيد متكرر على حق إسرائيل في الأمن ورفض امتلاك طهران للسلاح النووي أو أي استهداف مباشر للمصالح الغربية في المنطقة.
لكن خلف هذا الخطاب، تظهر تباينات واضحة بين العواصم الكبرى. ففي ألمانيا، التي تتبنى موقفا أقرب إلى الدعم السياسي الواضح لإسرائيل، انسجاما مع عقيدتها التاريخية في ما يتعلق بأمن الدولة العبرية، أدان حزب اليسار الألماني الهجمات على إيران بشدة بالغة.
وقال رئيس الكتلة البرلمانية سورين بيلمان لوكالة الأنباء الألمانية "القانون الدولي غائب عن المشهد مجددا". واتهم أمريكا وإسرائيل بـ"إشعال فتيل حرب ستكون لها عواقب وخيمة على الشرق الأوسط وخارجه"، مضيفا أن على الحكومة الألمانية تحمُّل مسؤوليتها بصفتها شريكا وثيقا لإسرائيل.
في المملكة المتحدة، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستامر أن بلاده لم تشارك في الموجة الأولى من الضربات ضد إيران. في حين أكد متحدث باسم الحكومة ضرورة عدم السماح لإيران بتطوير سلاح نووي، مضيفا "نمتلك مجموعة من القدرات الدفاعية في المنطقة التي عززناها أخيرا، ونحن على أهبة الاستعداد لحماية مصالحنا".
وفي مدريد، أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رفض بلاده "العمل العسكري الأحادي" الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، محذرا من أن العالم لا يتحمل حربا مدمرة أخرى في الشرق الأوسط.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على منصة إكس، إن "اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران له عواقب وخيمة على السلام والأمن الدوليَّين. وفي هذه اللحظة الحاسمة، تُتخذ كل التدابير لضمان أمن أراضينا الوطنية ومواطنينا وممتلكاتنا في الشرق الأوسط".
وتابع "انطلاقا من مبادئها وإدراكا منها لمسؤولياتها الدولية، تدعو فرنسا إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. أنا على اتصال وثيق بشركائنا الأوروبيين وأصدقائنا في الشرق الأوسط".
ولا تزال فرنسا تميل إلى الجمع بين التضامن مع الحليف الإسرائيلي والدعوة العلنية إلى تجنب توسيع الحرب، مع تركيز خاص على أمن لبنان والخليج. وفي اتصال مباشر للجزيرة نت مع الخارجية الفرنسية، أكدت الوزارة أنها لم تنشر أي بيان رسمي حتى الآن، موضحة أن الأولوية حاليا ستكون لبيان قصر الإليزيه المتوقع صدوره في الساعات القليلة المقبلة.
وبين خطاب التضامن السياسي مع واشنطن وتل أبيب، والتحذير من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، يتشكل موقف أوروبي حذر، تحكمه الحسابات الأمنية والاقتصادية أكثر مما تحركه الاعتبارات الأيديولوجية.
وفي مواجهة التدهور السريع للأوضاع، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا -في بيان مشترك نُشر اليوم- عن قلقهما البالغ، مضيفَين أن الاتحاد الأوروبي "لا يزال على اتصال وثيق مع شركائه في المنطقة".
وفي تصريحات صدرت عن الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، وصفت الوضع في الشرق الأوسط بـ"الخطير"، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يعمل بالتنسيق مع الشركاء العرب لاستكشاف مسارات دبلوماسية تهدف إلى تهدئة التوتر.
وفي سياق متصل، يعتقد السفير الفرنسي السابق في قطر ثم السعودية، برتراند بيزانسينو، أن دول الخليج لا تريد غرق المنطقة في فوضى عارمة، وتدرك أن المستثمرين الدوليين سيمتنعون عن الاستثمار في مناطق النزاع.
وأضاف بيزانسينو للجزيرة نت أن هذه الدول حاولت إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بعدم الدخول في مواجهة، متوقعا أن تؤدي قطر و سلطنة عُمان والسعودية دورها في الوساطة للتوصل إلى اتفاق. وأوضح أن الأوروبيين، مثل دول الخليج، حاولوا تجنب المواجهة والدعوة إلى تسوية، ولكن بشرط تقديم طهران تنازلات معيَّنة.
وفي وصفه لما يحدث بـ"نقطة التحول" في عملية مشتركة بين إسرائيل وأمريكا، بضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب ل لمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة– وبدعم أساسي من الجيش الأمريكي، يرى الدبلوماسي الفرنسي أن ترمب يؤيد هذه المرة تغيير النظام داخل إيران بشكل علني.
وقال السفير السابق إن "التنازلات التي كانت إيران تدرسها لم تكن كافية لما كانت واشنطن مستعدة لقبولها. وبالنسبة لترمب، أصبح الأمر متعلقا بالمصداقية، فلا يُعقل إرسال أسطول بحري ضخم يكلّف دافعي الضرائب الأمريكيين ثروة طائلة، ثم توجيه تهديدات متكررة دون تنفيذها".
وكشفت تصريحات المسؤولين الأوروبيين أن أوروبا تواجه ثلاثة تحديات إستراتيجية متداخلة في التعامل مع هذه الأزمة تتراوح بين:
فالحرب الدائرة اليوم لا تمس فقط توازنات الردع في المنطقة، بل تشمل مباشرة مصالح أوروبية حيوية تتصل بأمن الطاقة، واستقرار الملاحة الدولية، ومنع انتشار النووي، فضلا عن أمن الجاليات الأوروبية المنتشرة في بؤر التوتر.
وقال مدير السياسة السابق في حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، فابريس بوثييه، إن أوروبا قادرة دبلوماسيا على أداء دور لكنها ليست الفاعل العسكري الحاسم في هذه المعادلة. لذا، سيتركز دورها على خفض التصعيد ودعم الاستقرار.
وأكد بوثييه للجزيرة نت أن الناتو ليس طرفا في هذا النزاع، لكن أي تصعيد واسع في الشرق الأوسط قد يؤثر على أمن الحلفاء، سواء عبر تهديد الملاحة البحرية أو زعزعة الاستقرار الإقليمي، أو من خلال تداعيات اقتصادية وأمنية غير مباشرة.
ولا يستبعد السفير بيزانسينو محاولة الإيرانيين تعطيل حركة الملاحة في الخليج العربي و البحر الأحمر، وهو ما سيؤثر في نقل النفط، لأن هناك خطوط أنابيب يمكنها تجاوز مضيق هرمز. وإذا استمر النزاع فسيكون له تأثير بالغ، سيدفع الأوروبيين إلى التنسيق مع دول الخليج من أجل الضغط وإيجاد حل دائم.
كما أشار إلى مسألة الذخائر التي تُعَد محدودة في الولايات المتحدة بسبب انخراطها في أوكرانيا والشرق الأوسط وأماكن أخرى. لذا، في رأيه، لا يمكن إغفال هذه الحقيقة التي قد تدفع طهران إلى خوض حرب استنزاف لا تفضّل واشنطن تحمُّل تكلفتها والانخراط فيها فترة طويلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة