شهد جنوب اليمن مطلع عام 2026 تحولات سياسية وأمنية لافتة أنهت مرحلة سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، بعد عملية عسكرية وسياسية أعادت للحكومة المعترف بها دولياً نفوذها على محافظات رئيسية بينها عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى، بالتوازي مع إعلان الإمارات سحب قواتها من البلاد، ما وضع السعودية في موقع الطرف الإقليمي الأبرز في إدارة المشهد الجنوبي.
وفي خضم هذه التحولات، أكد مجلس القيادة الرئاسي التزامه بتشكيل حكومة كفاءات وطنية بعيدة عن المحاصصة الحزبية، مع ضمان تمثيل عادل للمحافظات وتمكين المرأة، إضافة إلى التركيز على دعم التنمية ومكافحة الإرهاب والتحضير لحوار جنوبي-جنوبي يهدف إلى توحيد الصف وإعادة صياغة الرؤية السياسية للجنوب ضمن إطار الدولة اليمنية.
وضمن خطوات تثبيت السيطرة الحكومية، قامت قوة عسكرية تابعة لألوية العمالقة بإغلاق أحد أهم مقرات المجلس الانتقالي المنحل في عدن ، وهو مقر الجمعية الوطنية التابعة له، في خطوة عكست عملياً نهاية نفوذ المجلس على الأرض بعد إعلان قياداته حله وإغلاق مكاتبه في الداخل والخارج.
لكن رغم الخطاب الرسمي عن استعادة الاستقرار، شهدت عدن اقتحاماً مسلحاً لمقر صحيفة "عدن الغد" والاعتداء على عدد من العاملين فيها. وقد أدان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي الهجوم، مؤكداً التزام الدولة بحماية حرية الصحافة وملاحقة المتورطين ، واعتبر أن احترام الإعلام مؤشر أساسي على جدية الدولة في بناء الاستقرار والثقة.
من جانبها، وصفت نقابة الصحفيين اليمنيين ما جرى بأنه انتهاك صارخ لحرية الصحافة وجريمة مكتملة الأركان، وقالت النقابة "إن عناصر مسلحة تنتمي للمجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل مؤخراً)، اقتحمت مقر صحيفة عدن الغد ودمرت ونهبت محتويات المقر، واعتدت جسديا على عدد من الصحفيين والعاملين أثناء تأديتهم لعملهم المهني". وحمَّلت السلطات الأمنية المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حماية الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المعتدين، ومؤكدة "استمرارها في الدفاع عن حق العمل الصحفي الحر".
وفي مؤشر على السعي لإعادة تفعيل البنية التحتية والمنافذ السيادية، استقبل مطار المخا الدولي بمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن، أمس الأحد (الأول من فبراير/شباط 2026) أول رحلة دولية قادمة من جدة، في خطوة اعتُبرت دعماً لقطاع النقل الجوي وتسهيل حركة المسافرين وتنشيط النشاط الاقتصادي والتجاري والإنساني، بعد سنوات من القيود وصعوبة التنقل. وكان مطار المخا في مدينة المخا الساحلية أُنشيء بدعم من الإمارات وبإشراف من نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح.
وبالتوازي مع التحولات السياسية، وقع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقيات لتنفيذ تسعة مشاريع جديدة في قطاعي الصحة والتعليم، تشمل إنشاء منشآت طبية ومدارس نموذجية في عدة محافظات، في امتداد لحزمة واسعة من المشاريع التي نفذها البرنامج خلال السنوات الماضية لدعم مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات الأساسية.
وفي إطار دعم الاستقرار الخدمي، بدأت السعودية تزويد أكثر من 70 محطة كهرباء في اليمن بمنحة من المشتقات النفطية بقيمة تتجاوز 80 مليون دولار، مع إعلان الحكومة اليمنية فرض رقابة صارمة لضمان وصول الوقود إلى وجهته الصحيحة " ومنع أي تلاعب أو فساد "، باعتبار هذه الخطوة ركيزة لاستقرار الكهرباء وتشغيل المنشآت الحيوية.
وعلى المستوى الاستراتيجي، أعلنت الرياض عن حزمة مشاريع تنموية تقارب 500 مليون دولار في عشر محافظات جنوبية، تشمل قطاعات الصحة والطاقة والنقل والمياه والتعليم، في رسالة سياسية واقتصادية تؤكد انتقال السعودية إلى دور الراعي الرئيسي لإعادة إعمار الجنوب وإدارته بعد تراجع الدور الإماراتي.
وفي جزيرة سقطرى، أعلنت السلطات المحلية استعدادها للعمل مع القوات الحكومية بإشراف مجلس القيادة الرئاسي والتحالف بقيادة السعودية، بعد سنوات من سيطرة المجلس الانتقالي على الجزيرة، في خطوة تعكس انتقال النفوذ الميداني إلى السلطة الشرعية ومحاولة تثبيت الأمن والاستقرار المحلي.
تدل هذه التطورات على أن جنوب اليمن دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة بسط سلطة الحكومة بدعم سعودي مباشر، مقابل تراجع النفوذ الإماراتي، مع رهان واضح على التنمية وتحسين الخدمات لكسب الشرعية الشعبية. غير أن نجاح هذه المرحلة يبقى مرهوناً بقدرة السلطات على فرض الأمن وحماية الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة، بوصفها اختباراً حقيقياً لمصداقية مشروع الاستقرار.
تحرير: ف.ي
المصدر:
DW