في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رصدت الكاتبة المتخصصة في مجالات الثقافة ونمط الحياة كاتي روسينسكي ظاهرة آخذة في التصاعد في بريطانيا وأوروبا، تتمثل في مقاطعة المنتجات والخدمات الأمريكية، بوصفها شكلا من أشكال الاحتجاج السلمي على سياسات الرئيس دونالد ترمب، خاصة في ولايته الثانية.
وأبرزت روسينسكي، في تقرير إخباري نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، كيف تحوّل الاستهلاك اليومي، من شراء المشروبات الغازية إلى قرارات السفر، إلى فعل سياسي واع يسعى إلى الضغط الاقتصادي والرمزي في آن واحد.
وترى الكاتبة أن شركات مثل كوكاكولا ونتفليكس وغوغل وآبل وأمازون وماكدونالدز ليست مجرد مجموعة من العلامات التجارية الأمريكية العملاقة التي يستخدمها أو ينفق عليها كثيرون منا يوميا، بل لطالما كانت نمطا استهلاكيا يوميا للبريطانيين.
لكن روسينسكي تزعم أن الولاء لتلك العلامات التجارية لم يعد قويا كما كان، فالبريطانيون قد لا يستطيعون إبلاغ الرئيس ترمب مباشرة بما يفكرون فيه تجاه سياساته، لكن بمقدورهم أن يُتْبِعوا أقوالهم بالأفعال ويقاطعوا الشركات الأمريكية.
وعرض التقرير شهادات لناشطين ومواطنين عاديين، من بينهم صانعة المحتوى البريطانية كارولين، التي تؤكد أن المقاطعة لم تعد فعلا هامشيا أو مدعاة للسخرية كما في السابق، بل أصبحت محل توافق واسع، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
ونقلت الصحيفة عن كارولين القول: "حتى الأمريكيون أنفسهم يقولون إن أفضل طريقة لمساعدتهم هي المقاطعة"، معتبرة أن "أمريكا يحركها المال، وعلينا مخاطبتها بلغتها".
الناشطة البريطانية درجت على مقاطعة العلامات التجارية الأمريكية، لكنها لاحظت تغيرا حقيقيا في مواقف المستهلكين في بريطانيا وأوروبا بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة
وأضافت أنها ظلت منذ نحو عقد من الزمن تحاول بهمة ألا تدعم الولايات المتحدة، بعد أن تعرفت "على الإمبريالية والرأسمالية والعمالقة التجاريين، وعلى حقيقة أن أمريكا تسيطر على العالم إلى حد كبير".
وأوضحت إندبندنت أن الناشطة البريطانية درجت، منذ وقت طويل، على مقاطعة العلامات التجارية الأمريكية الكبرى، لكنها لاحظت تغيرا حقيقيا في مواقف المستهلكين في بريطانيا وأوروبا، بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة، وتعليقات الرئيس ترمب.
وقالت في هذا الصدد: "عندما كنت أعبّر سابقا عن آرائي عبر الإنترنت، كنت أُقابل بالسخرية أو النقد. لكن عندما نشرتُ في وقت سابق من هذا الشهر مقطعا على منصة تيك توك وأصبح لاحقا واسع الانتشار، حول كيفية مقاطعة أمريكا، وافقني الرأي الغالبية العظمى من الناس، لا سيما داخل الولايات المتحدة نفسها".
واعتبرت الصحيفة البريطانية أن قصة الطفل ليام كونيخو راموس، الذي اعتقلته سلطات الهجرة الأمريكية مع والده المهاجر غير النظامي من الإكوادور، كانت نقطة تحول عاطفية دفعت آخرين، مثل موظفة الدعم البريطانية سالي وعائلتها، إلى اتخاذ قرارات عملية، شملت مقاطعة علامات أمريكية بارزة والتوقف عن السفر إلى الولايات المتحدة.
وأوضحت سالي أن عائلتها كانت تنفق نحو 5 آلاف جنيه إسترليني في كل زيارة، لكنها قررت توجيه هذا الإنفاق إلى وجهات أخرى، أملا في إحداث أثر تراكمي.
ومنذ تنصيب ترمب رئيسا لولاية ثانية في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، دفعت سلسلة من الأحداث بعض البريطانيين إلى إعادة النظر في طريقة إنفاق أموالهم، بحسب الدكتور ماثيو موخيفي أشتون، المحاضر في السياسة والإعلام بجامعة نوتنغهام ترينت.
ومن منظور أكاديمي، يرى الدكتور موخيفي أشتون أن هذه المقاطعات لا تُقاس بقدرتها الاقتصادية الفردية، نظرا لضخامة الاقتصاد الأمريكي، بل بقيمتها الرمزية والسياسية.
وفي تقديره أن تصريحات ترمب المثيرة للجدل، من الرسوم الجمركية إلى تعليقاته بشأن قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو)، شكلت "نقاط تحول" دفعت حتى مؤيدين تقليديين للولايات المتحدة إلى إعادة التفكير في خياراتهم الاستهلاكية.
وسلط تقرير إندبندنت الضوء على تجارب دول أخرى، مثل كندا والدانمارك، حيث أدت سياسات ترمب وتصريحاته إلى تراجع حاد في السياحة ومبيعات المنتجات الأمريكية.
كارولين تؤكد: "شخص واحد يقوم بمقاطعة مثالية لن يُحدث أثرا يُذكر، لكننا جميعا، إذا قاطعنا جماعيا ولو جزءا مما كنا نستهلكه، فسنفعل"
ففي كندا، انخفض عدد الزوار إلى الولايات المتحدة بنسبة 22% خلال 9 أشهر، بينما تراجعت مبيعات النبيذ الأمريكي بنسبة 91%. أما في الدانمارك، فقد تصدر تطبيق يحمل اسم "غير أميركي" قوائم التنزيل، في مؤشر على انتشار المقاطعة المنظمة.
ورغم التشكيك في أثر المقاطعة الفردية أمام ضخامة الاقتصاد الأمريكي، يشير تقرير إندبندنت إلى "قاعدة الـ3.5%" العلمية، وهي دراسة من جامعة هارفارد تؤكد أن حشد هذه النسبة من السكان لمقاطعة المنتجات الأمريكية كفيل بإحداث تغيير سياسي.
وإذا كان من الصعب الانفصال التام عن التكنولوجيا الأمريكية، فإن قطاع السياحة يبقى "نقطة الضعف"، حيث تتوقع التقديرات أن تكون الولايات المتحدة قد خسرت 12.5 مليار دولار من إنفاق الزوار الدوليين في عام 2025.
واختتمت الصحيفة تقريرها بتصريح لكارولين قالت فيه: "شخص واحد يقوم بمقاطعة مثالية لن يُحدث أثرا يُذكر. لكننا جميعا، إذا قاطعنا جماعيا ولو جزءا مما كنا نستهلكه، فسنفعل".
المصدر:
الجزيرة