آخر الأخبار

مهنة التمريض للفلسطينيين في لبنان.. إقصاء أم تنظيم؟

شارك

بيروت- يتجدّد الجدل في لبنان حول مصير الممرضين الفلسطينيين، على خلفية قرارات وإجراءات صادرة عن وزارة الصحة اللبنانية أدّت عمليا إلى وقف منح أذونات مزاولة مهنة التمريض لغير اللبنانيين.

وتصف الجهات الرسمية هذه الخطوة بأنها تنظيمية وتقنية، فيما تعتبرها مؤسسات حقوقية فلسطينية ولبنانية إجراء ذا أبعاد سياسية يعيد طرح ملف حق العمل ل لاجئين الفلسطينيين بوصفه إحدى أكثر القضايا حساسية في الداخل اللبناني.

ويواجه خريجو التمريض الفلسطينيون، ولا سيما دفعة عام 2025، واقعا مهنيا معقّدا بعد رفض طلباتهم للحصول على أذونات مزاولة المهنة، رغم توجه كثيرين منهم إلى هذا الاختصاص باعتباره من المجالات القليلة المتاحة للعمل في المستشفيات الخاصة.

"مسار تعجيزي"

وكانت وزارة الصحة اللبنانية تمنح سابقا أذونات المزاولة لمدة سنتين قابلة للتجديد، قبل أن تعدّل الآلية في عام 2022 لتصبح صالحة لسنة واحدة فقط، مع ربطها بشروط إضافية، أبرزها إثبات حاجة المستشفى وعدم تقدّم أي ممرض لبناني لشغل الوظيفة نفسها.

ويعود هذا الإجراء إلى تطبيق القانون رقم (221) لتنظيم مهنة التمريض، ولا سيما المادة (16) منه، التي فرضت مسارا إجرائيا وصف من قبل معنيين بـ"التعجيزي"، إذ يُلزم الممرض الفلسطيني بإعادة الإجراءات سنويا، خلافا لما كان معمولا به سابقا من استثناءات.

وأمام هذا الواقع، شكّل ممرضون فلسطينيون، عاملون ومتخرجون وطلاب، لجنة متابعة، وأطلقوا تحركات باتجاه وزارات الصحة والعمل ونقابة الممرضين وإدارات المستشفيات، للمطالبة بتسوية تعيد فتح باب العمل أمامهم، وتضع حدا لما يعتبرونه تمييزا يهدد مستقبلهم المهني والإنساني في لبنان.

مصدر الصورة وزارة الصحة اللبنانية أوقفت منح أذونات مزاولة التمريض للفلسطينيين (الجزيرة)

إذن ممنوع

تقول سالي حمزة، وهي خريجة تمريض فلسطينية تبلغ (21 عاما)، إنها اختارت اختصاصها بناء على نصائح متكررة للفلسطينيين في لبنان بالتوجّه إلى مجالات يُسمح لهم بالعمل بها قانونيا، وكان التمريض في مقدمتها.

إعلان

أنهت سالي دراستها هذا العام في جامعة بيروت العربية، واجتازت الامتحان الشامل التابع لوزارة الصحة اللبنانية، قبل أن تُفاجأ بصدور قرار يمنع الفلسطينيين من الحصول على إذن مزاولة المهنة.

وتصف سالي في حديثها للجزيرة نت القرار بـ"الصدمة القاسية"، معتبرة أنه ألغى سنوات من التعب والدراسة، وحرمها من حقها في العمل واكتساب الخبرة، وحتى من فرص السفر إلى الخارج، في ظل اشتراط إذن المزاولة من بلد الدراسة.

وتشير إلى أنها تلجأ حاليا إلى التدريب في مراكز صحية داخل مخيم برج البراجنة في بيروت، بانتظار تعديل القرار.

وتقول إن التوظيف بات مرتبطا بالجنسية لا بالكفاءة، رغم أن زملاءها الذين تخرجوا معها من الجامعة نفسها بدؤوا العمل فورا فقط لاختلاف جنسياتهم، معتبرة أن القرار "تمييزي وعنصري" بحق الفلسطينيين. وطالبت وزارة الصحة والدولة اللبنانية بإعادة النظر فيه لما له من انعكاسات سلبية على القطاع الصحي وسوق العمل في لبنان.

شهادة بلا عمل

من جانبها، تتحدث منى، وهي طالبة فلسطينية في السنة الأخيرة بكلية التمريض في الجامعة اللبنانية، عن صدمتها حين اكتشفت أنها غير مؤهلة للحصول على إذن مزاولة المهنة. وتقول للجزيرة نت إن القرار يفرض شروطا "تعجيزية" على الفلسطينيين، تجعل من حلم العمل في مستشفيات لبنان أمرا شبه مستحيل.

وتضيف "بدأت التدريب العملي في أحد المستشفيات، لكن توقفت فورا بسبب القرار، فالممرض لا يستطيع العمل دون وثيقة مزاولة المهنة".

وتوضح أن التحدي أكبر من مجرد التدريب و"هناك ظلم كبير بحق الممرض الفلسطيني في لبنان، حتى لو عملنا، لا يمكننا الترقّي، ولا توجد مستشفيات تقبل توظيف من دون خبرة أو إذن مزاولة، لذلك شهادتنا تصبح بلا قيمة".

مصدر الصورة صورة من داخل احد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان (الجزيرة)

قرار سياسي

من جانبه، يوضح مدير "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين" علي هويدي، أن القرار الصادر عن مجلس الوزراء يُعدّ الأول من نوعه لجهة وقف منح أذونات مزاولة مهنة التمريض.

وأوضح أن القرار لا يقتصر على كونه إجراء تقنيا، بل يحمل أبعادا سياسية واضحة، في سياق طالما كانت فيه حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مادة للتجاذب والتوظيف السياسي.

ويضيف هويدي في حديثه للجزيرة نت، أن سماح الدولة اللبنانية سابقا بمنح هذه الأذونات جاء استجابة لحاجة فعلية وطارئة، لا سيما خلال جائحة كورونا وبعد انفجار مرفأ بيروت، حين كان القطاع الصحي يعاني نقصا حادا في الكوادر.

أما اليوم، فيصف هويدي القرار بـ"المفاجئ" في وقت كان يفترض فيه البحث عن مقاربات جديدة مع الحكومة اللبنانية تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمها الحق في العمل والحق في التملّك.

ويعتبر هويدي أن القرار يمثل تراجعا خطِرا في سياسة العمل المعتمدة تجاه الفلسطينيين في لبنان، وانتقالا واضحا نحو مسار أكثر تشددا، مؤكدا أن المطلوب هو سياسات تخفف الأعباء عن اللاجئين، لا إجراءات تزيد معاناتهم.

ويكتسب القرار، بحسب هويدي، خطورة إضافية كونه يطال تحديدا دفعة عام 2025، ما يشكّل صدمة كبيرة للطلاب ويولّد حالة إحباط واسعة في صفوفهم، ويقوّض طموحات عدد كبير منهم.

إعلان

ويشير إلى أن العديد من هؤلاء كانوا سيحصلون على أذونات مزاولة المهنة قبل السفر إلى الخارج للعمل، في حين أن طلابا أمضوا 3 سنوات في الدراسة سيتخرجون العام المقبل ليجدوا أنفسهم أمام واقع مهني مسدود.

مصدر الصورة نقيبة الممرضين عبير علامة تحدثت عن مقترح لتمديد مدة مزاولة المهنة للخريجين الفلسطينيين لاكتساب الخبرة (الجزيرة)

مقترح تعديل

في المقابل، تؤكد نقيبة الممرضين والممرضات في لبنان الدكتورة عبير علامة، أن موقف النقابة متوافق مع وزارة الصحة، مشيرة إلى أن القانون رقم (221) هو الإطار القانوني الذي ينظم مهنة التمريض في البلاد، وصدر عام 2021، لكن المراسيم التطبيقية التي تحدد آلية تنفيذ بنوده على أرض الواقع صدرت عام 2025، وتشترط على كل خريج تمريض الحصول على إذن مزاولة لممارسة المهنة داخل لبنان.

وبحسب القانون، يُمنح الإذن عادة لمدة سنة قابلة للتجديد، إلا أن النقابة اقترحت تعديل هذه الفقرة لتمديد المدة بهدف منح الخريجين الفلسطينيين وقتا كافيا لاكتساب الخبرة العملية اللازمة قبل الانخراط في سوق العمل.

وتشير علامة إلى أن السماح للطلاب الفلسطينيين بدراسة التمريض لم يُلغَ، بل وُضعت آلية تسهّل حصولهم على إذن المزاولة بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للاستخدام والمستشفيات يمكن للطلاب تقديم طلباتهم بما يضمن اكتسابهم الخبرة اللازمة داخل لبنان قبل أي انتقال للعمل خارج البلاد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا