قد يتساءل المرء، لماذا توجد لدى البشر الذكور حلمات، وهل من فائدة لها، وما إذا كان هذا الأمر يقتصر على البشر فقط، الإجابة على هذه التساؤلات لا تخلو من إثارة.
هذا التساؤل توقف أمامه حتى جد تشارلز داروين الأكبر، إيراسموس داروين، وكان طبيبا وفيلسوفا ومخترعا، ناقش عدم جدوى الحلمات لدى ذكور الحيوانات في كتابه "زونوميا أو قوانين الحياة العضوية" الصادر في عام 1794.
يمتلك الرجال حلمات لسبب تطوري بسيط، وهي ليست حكرا على البشر، هذا ما يقوله العلماء المختصون، مشيرين إلى أن الرجال لديهم حلمات لأنها تتطور قبل تحديد جنس الجنين.
التساؤل بشأن دور الحلمات لدى الرجال أثار جدلا لفترة طويلة. تحتاج النساء إلى الحلمات لإرضاع أطفالهن، بينما تُعتبر غير ضرورية لدى الرجال. يُعتقد الآن أن حلمات الذكور موجودة ببساطة لأنها لا تعيق وظائف الجسم. خلال التطور، غالبا ما تستمر الصفات التي لا تؤثر على بقاء النوع، على سبيل المثال، عيون أسماك أعماق البحار العمياء، التي لطالما استخدمت حواس أخرى.
حلمات الذكور ليست شذوذا طبيعيا أو أثرا وراثيا، على الرغم من أن هذا الرأي شائع في بعض الأوساط. المسألة برمتها متعلقة بكيفية نمو الجنين.
في الرحم، تتبع جميع الأجنة البشرية نفس "المخطط الجيني" خلال الأسابيع الأولى، أي أنها تنمو بشكل متشابه. يبدأ نمو الحلمات وأنسجة الثدي مبكرا جدا، حوالي الأسبوع الرابع إلى السادس من الحمل. في الأسبوع السابع تقريبا، يتم تنشيط جين "SRY" على الكروموسوم "Y" إن وُجد، ما يحفز نمو الأعضاء التناسلية الذكرية. في حالة وجود الكروموسوم "Y"، تبدأ الهرمونات، وتحديدا التستوستيرون، بالإنتاج، ما يحفز نمو الخصائص الجنسية الذكرية. لكن في هذه المرحلة، تكون الحلمات موجودة بالفعل، فهي لا تختفي، لأن تكوينها بدأ قبل فترة طويلة من "الاختيار" الهرموني. أي أن هذا ببساطة نتيجة طبيعية لبدء الجميع من نفس الخطة الأساسية.
بتعبير آخر، بما أن عملية نمو الحلمات تكون جارية بالفعل قبل التحول الجيني، فإنها تستمر لدى كلا الجنسين. يؤدي ذلك لدى الذكور إلى حلمات غير وظيفية، وهي تُعتبر "نتيجة تطورية" لحاجة الإناث إليها.
من وجهة نظر تطورية، تُعتبر حلمات الذكور "غير ضارة". ولأنها لا تُعيق البقاء أو التكاثر، لم يكن هناك "ضغط انتقائي" كبير لإزالتها، وذلك لأن التخلص منها يتطلب إعادة صياغة جذرية لخطة النمو المبكرة.
الخبراء المختصون يلفتون إلى وجود مفاهيم خاطئة شائعة بأن الأجنة تبدأ كإناث ثم تصبح ذكورا، في حين أن الرأي الأكثر دقة هو أن جميع الأجنة تبدأ من خطة مشتركة محايدة جنسيا.
أما بالنسبة لوظيفة حلمات الرجال، فيقول العلماء أنها على الرغم من عدم أدائها وظيفة تناسلية، إلا أنها في نفس الوقت ليست بلا وظيفة تماما. إنها منطقة غنية بالنهايات العصبية، ويمكن أن تكون، لدى كل من الرجال والنساء، "منطقة إثارة جنسية" تساعد على الوصول إلى النشوة الجنسية.
الحلمات لا توجد فقط لدى ذكور البشر، بل وفي العديد من ذكور الثدييات أيضا. إلا أنها في معظم الأنواع على عكس البشر ليست متطورة بشكل ملحوظ كما هي لدى الإناث، ولا تؤدي وظيفة مهمة. على سبيل المثال، تفتقر ذكور بعض الثدييات مثل الفئران والجرذان إلى الحلمات لأن الأنسجة تتراجع خلال نموها الجنيني.
السر الآخر الأكثر إثارة ودهشة أن حلمات إضافية قد تظهر لدى بعض النساء قبل عملية الولادة. تأتي هذه الحلمات بأشكال وأنواع مختلفة، وهي تبدو أحيانا كبقع صغيرة وردية أو بنية اللون أو وحمات، وعادة لا تتطلب علاجا إلا إذا ما سببت ألما أو انزعاجا.
المتخصصون يشيرون إلى أن هذه الحلمات الإضافية بما أنها في الغالب ما تكون صغيرة وغير مكتملة النمو، وقد تبدو كالنمش أو الشامة، فإن الكثير من النساء لا يدركن وجودها.
بصورة أخرى، تُسبب التغيرات الهرمونية الكبيرة خلال فترة الحمل بروز حلمات إضافية تكبر ويزداد لونها ظهورا، تماما مثل الحلمات الطبيعية. هذه الحلمات الإضافية تُصبح أيضا متورمة، ومؤلمة، أو حتى تفرز الحليب بعد الولادة. هذه الحالة يقول الأطباء أنها شائعة نسبيا، وتُصيب ما بين 1 بالمئة إلى 5 بالمئة من النساء، وهو رقم يعكس مدى تعقيد وغرابة جسم الإنسان الذي لا يزال يكشف أسراره يوما بعد آخر.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم