آخر الأخبار

أمعاؤك في رمضان: صيامٌ يضبط وبكتيريا تستجيب

شارك

تتباين النتائج بين مؤكد ومشكك حول التأثير الفعلي لصيام رمضان على توزيع الكائنات الدقيقة التي تستعمر جهازنا الهضمي، ففي حين أقرت بعضها بالتحسن الذي اكتسبه الجسم بعد الصيام لانتعاش البكتيريا النافعة تحديدا، ذهب البعض الآخر نحو ترجيح أنها تلعب عوامل أخرى كنوع الطعام وتوقيت تناول الوجبات وحجمها في تعداد الكائنات الدقيقة الموجودة طبيعيا في أمعائنا (المعروفة باسم ميكروبيوتا Microbiota).

ما علاقة الميكروبيوتا بصحتنا العامة؟

ما زالت تتكشف يوما بعد يوم فوائد الصيام على صحة الجسم، ففي حين أقرت بعض الدراسات أن لصيام رمضان تأثيرا إيجابيا في صحة القلب، وتعزيز عمليات الأيض، ورفع مستوى حيوية الخلايا، وتخليص الجسم من الممرضات والخلايا التالفة المتراكمة بتحفيز عملية الالتهام الذاتي، أشارت دراسات أخرى إلى أن الصيام قد يضبط أيضا الميكروبيوتا في أمعائنا فتتحسن صحتنا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صهيل الخيل وأنغام المزمار.. "المرماح" طقس رمضاني يحيي تراث الصعيد
* list 2 of 2 18 رمضان.. رحيل سيف الله المسلول ونهاية دولة المرابطين end of list

تمثل البكتيريا الموجودة في أمعائنا مصدرا حيويا يرتبط بوظائف مختلفة تعزز صحة الجسم وتلعب دورا رئيسيا في تقوية الحاجز المناعي لدينا لمواجهة الأمراض المختلفة، كما ترتبط بوظائف مناعية، وأيضية، وعصبية، ولها صلة بالغدد الصماء المسؤولة عن إنتاج الهرمونات، لذلك يبحث الكثيرون ممن يعانون من مشكلات صحية مختلفة عن وسائل طبيعية تساعدهم على استعادة التركيب المتنوع والمثري من البكتيريا النافعة التي تتعايش في جوفنا.

مصدر الصورة الصيام قد يضبط أيضا الميكروبيوتا في أمعائنا فتتحسن صحتنا (شترستوك)

تضم الأمعاء الملايين بل التريليونات من الكائنات الدقيقة التي تنمو وتتكاثر داخلها لتؤدي مجموعة من الوظائف المحورية والمهمة لصحة الجسم، فهي تقف درعا مناعيا ضد تكاثر البكتيريا الضارة -مثلا- لتضمن التناغم الحيوي المطلوب هناك، كما أنها تسهم في تطور جهاز المناعة ونضجه، هذا إلى جانب مهامها في هضم جزيئات الطعام لإمداد الجسم بما يحتاجه من طاقة وغيرها.

إعلان

تشكل البكتيريا ما يقارب 90% من مجموع الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء، تحديدا ضمن شعبتين رئيسيتين العصوانيات (Bacteroidetes) ومتينات الجدار (Firmicutes)، وهي غالبا تستطيع الحفاظ على النسبة الطبيعية لوفرتها في الأمعاء بسبب مرونتها وقدرتها على التكاثر واستعادة التوازن من جديد دون تغيير يذكر رغم ما قد تتعرض له من عوامل مختلفة باستمرار، كشرب الماء الغني بالكلور ومحسنات الطعام والمضادات الحيوية، والملوثات المختلفة التي قد نبتلعها مع جزيئات الطعام كمبيدات الحشرات التي سبق استخدامها على المحاصيل الزراعية والمعادن الثقيلة وغيرها، ما يستدعي اتباع الوسائل التي تحافظ أو حتى تستعيد المجتمعات الحيوية من البكتيريا التي تعيش بداخلنا وقد نفقدها دون أن نقصد.

هل يكفي الصيام وحده لتعزيز الميكروبيوتا في الأمعاء؟

أشارت مراجعة علمية نشرت في مجلة أبحاث حالية في التكنولوجيا الحيوية (Current Research in Biotechnology) عام 2025 أعدتها مجموعة من الباحثين إلى قدرة الصيام العجيبة في زيادة التنوع للميكروبيوتا (البكتيريا النافعة تحديدا) في الأمعاء، وتعزيز نمو البكتيريا الموجودة فيها، لينجم عن ذلك تحسن ملحوظ في صحة الجسم من خلال أثرها في مؤشرات الأيض التي تشمل خفض ضغط الدم المرتفع، وتنظيم مستويات الجلوكوز والدهون، وضبط وزن الجسم، وتخفيف معدل الالتهابات.

وفي دراسة أخرى قادتها مجموعة من الباحثين من جامعة تشيلي، ونُشرت في مجلة نيوتريينتس (Nutrients) عام 2020، ضمت 12 شخصا سليما ممن صاموا رمضان، حاول مجموعة من الباحثين معرفة تأثير الصيام على البكتيريا التي تعيش طبيعيا في الأمعاء، ومدى انعكاس ذلك على صحة الجسم بالمقارنة قبل رمضان وبعده، خصوصا معدل البكتيريا من العصوانيات إلى متينات الجدار اللتين تشكلان الجزء الأكبر من الكائنات الدقيقة في الأمعاء.

أشارت النتائج إلى انخفاض نسبة أنواع معينة من البكتيريا النافعة مع نهاية رمضان، وبعد التحليل تبين أن نوع الطعام المتناول كان أحد أهم مسببات هذه التغييرات، بذلك، وحسب هذه الدراسة، يكون الصيام لوحده غير كاف لضبط الوجود البكتيري في الأمعاء، ولا بد من انتقاء أصناف الطعام للحصول على الفائدة العظمى من الصيام.

مصدر الصورة الصيام لوحده غير كاف لضبط الوجود البكتيري في الأمعاء (شترستوك)

وتؤكد العديد من الدراسات أن نوع الطعام وكميته وأوقات الوجبات خلال رمضان تؤثر بسرعة على عمليات الأيض وتوازن بكتيريا الأمعاء.

على سبيل المثال، قلت أعداد بكتيريا فيكاليكاتينا (Faecalicatena) مع انخفاض استهلاك الألياف، بينما زاد تعداد بكتيريا كوبروكوكس (Coprococcus) المنتجة للبيوتيرات مع تناول البروتينات النباتية والأطعمة الغنية بالسكريات المعقدة مثل الفطر والحبوب والأعشاب البحرية، مما يغير توزيع البكتيريا في الأمعاء.

في مراجعة منهجية نُشرت في العام 2024 بإشراف مجموعة من الباحثين من جامعة شرق فنلندا وغيرها استهدفت تقييم تأثير الصيام على الميكروبيوتا في أمعاء الإنسان، جاءت النتائج لتكون متباينة وتشير إلى أن الصيام يغير التنوع البكتيري في الأمعاء مع نهاية فترة الصيام (بعد 29 أو 30 يوما) فقد يرتفع معدل نمو أنواع معينة وانخفاض في المقابل أنواع أخرى.

إعلان

لكن الاختلاف هذا سرعان ما يعود لسابق عهده بعد انقضاء رمضان، ما يعني أنه تغيير مؤقت، أيضا أكدت هذه المراجعة ما ذهبت إليه الدراسة السابقة بأن تنوع الميكروبيوتا في الأمعاء يعتمد على عوامل مختلفة أبرزها النظام الغذائي المتبع بعد كسر الصيام اليومي.

أيضا، استطاع مجموعة باحثين من مراكز بحثية مرموقة في ألمانيا التوصل لنتيجة إيجابية مفادها أن الصيام الدوري المتبوع باتباع نظام غذائي معين (اعتمدوا على حمية خاصة لمرضى ضغط الدم المرتفع) يعزز توازن البكتيريا المعوية لينعكس أثره على الاستجابة المناعية فيشعر المرضى بتحسن أكبر مع انخفاض ضغط الدم وعودته لمستويات طبيعية تقريبا لفترات أطول، وجاءت هذه النتائج الإيجابية حصرا بعد الصيام المتبوع بالحمية، وليست الحمية وحدها.

بين الطعام والصيام، ما المطلوب؟

توصي الدراسات بمزيد من البحث للتحقق الفعلي والمؤكد لعلاقة الصيام مع الميكروبيوتا، لكن حتى حينه تبقى التوصية الذهبية للاستفادة القصوى من الصيام وجني أكبر قدر من فوائده الصحية، بأن نراعي مكونات أطباق الطعام التي تصطف على موائدنا، فالفواكه والخضراوات، إلى جانب البقوليات والحبوب الكاملة، والمكسرات والبذور مما أوصت بها الدراسات نتيجة قدرتها على دعم نمو البكتيريا النافعة في الأمعاء والحفاظ على توازنها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار