آخر الأخبار

بين الموانئ المتضررة وجنون الأسعار.. رحلة البحث عن الدواء والغذاء في طهران

شارك

طهران – في صيف طهران اللاهب هذه الأيام، تجوب نغار (58 عاما) الشوارع من صيدلية إلى أخرى، تحمل في حقيبتها وصفة طبية لزوجها الذي خضع لجراحة في العظام ثم أصيب بعفن معقد يستدعي مضادا حيويا متطورا، فتقول للجزيرة نت "زرت 8 صيدليات قبل أن أعثر عليه، لكنّ سعره كان جنونيا بحدود 90 مليون ريال إيراني (نحو 43.4 دولارا)، وهو مبلغ يفوق قدرتي ولا أستطيع شراءه".

قصة نغار تختصر واقعا يعيشه قطاع الدواء في إيران لا سيما عقب الحرب الأخيرة؛ إذ يخرج عشرات المرضى وذووهم كل يوم بحثا عن أدوية صارت شبه مفقودة أو تضاعفت أسعارها عدة مرات، فيعثر بعضهم عليها بعد رحلة شاقة، وييأس آخرون ويعودون بلا شيء.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 أمريكا تعلن تصفير صادرات خام إيران.. طهران: مواردنا كافية للموازنة
* list 2 of 4 كيف غيّرت 6 أشهر من الحرب شكل إيران؟
* list 3 of 4 صراع النفط والوقت.. ماذا بعد الاستهداف الأمريكي للحرس الثوري في لارك؟
* list 4 of 4 من 100 سفينة إلى 5 يوميا.. كيف خنقت الحرب الملاحة في مضيق هرمز؟ end of list

وحين استفسرنا عن سبب الأزمة من الصيادلة، تعددت الإجابات: عرقلة سلسلة الاستيراد جراء الحرب الأخيرة من جهة، وقرارات رسمية بقطع العملة الصعبة المدعومة لشراء المواد الأولية من جهة أخرى، بيد أن النتيجة واحدة: رفوف تنقص، وأصناف من الدواء تنفد، وأسعار تقفز، ومرضى يدفعون الثمن من صحتهم وأعصابهم.

مصدر الصورة عبدوس يقول إن جزءا مهما من نفاد الدواء يعود إلى الحصار البحري والهجمات الأمريكية على الموانئ الإيرانية (الجزيرة)

نفاد الدواء

ومع اقتراب فصل الخريف، يبحث علي (41 عاما) عن لقاح الإنفلونزا لوالديه المسنين، لكنه لم يجده في أي صيدلية، ويقول "يوجد إنتاج محلي، لكني أفضل الأجنبي. المشكلة أن الأجنبي اختفى تماما ولم يُستورد هذا الموسم بسبب تداعيات الحرب.. والداي كبيران، وأخشى عليهما من أي عدوى، ولا أعرف ماذا أفعل"، مضيفا في حديثه للجزيرة نت أن تفضيله اللقاح الأجنبي ليس رفاهية، بل مسألة ثقة تراكمت عبر سنوات، وغيابه يضع الناس أمام خيارات صعبة.

ولفهم أبعاد الأزمة، توجهت "الجزيرة نت" بالسؤال إلى مهدي عبدوس، الطبيب والناشط في مجال تسهيل توفير الأدوية للمرضى، والذي أوضح أن "جزءا مهما من هذا الوضع يعود إلى الحصار البحري والهجمات على الموانئ. كنا نستورد عبر الموانئ الجنوبية المواد الأولية والمواد الجانبية لصناعة الدواء، إضافة إلى بعض الأدوية الجاهزة. هذه الواردات تضررت بشدة، بل توقفت تماما في بعض الفترات.. بعد اتفاق إسلام آباد وصلت بعض الشحنات، لكنْ سرعان ما تعطلت مجددا".

إعلان

وتابع عبدوس: "مؤخرا، وجدنا طرقا بديلة للاستيراد عبر موانئ بعض دول الجوار، لكنّ الانقطاع الطويل ترك أثره؛ إذ تعثر الإنتاج المحلي للأدوية التي تعتمد على مواد مستوردة. أتوقع أن تتحسن الأمور خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكنّ التكلفة سترتفع حتما أكثر مما هي عليه "، موضحا أن بعض الأمصال الوريدية صارت مؤخرا صنفا نادرا بسبب توقف استيرادها، وذلك على الرغم من وجود بدائل محلية لا يمكنها تعويض النقص كليا.

وعن أسباب غلاء أسعار الدواء، لم يتردد عبدوس في توجيه أصابع الاتهام إلى قرارات رسمية بالقول "جزء كبير من جنون الأسعار مرده إلى إلغاء النقد الأجنبي المدعوم الخاص بالأدوية. هذا القرار السيادي رفع أسعار الأدوية خمسة أضعاف، وبذلك لا يواجه المريض الإيراني فقط شحا ناتجا عن تداعيات الحرب، بل يواجه أيضا سياسات اقتصادية ضاعفت من معاناته".

مصدر الصورة مواطنة إيرانية تخرج من بقالة وتشكو غلاء الأسعار (الجزيرة)

أضرار الموانئ

وفي جولة ميدانية لمراسل الجزيرة نت في شوارع طهران، تبين أن مشهد الصيدليات الخاوية لا يمثل سوى وجه واحد من أزمة أوسع؛ فإذا كان نفاد بعض أصناف الأدوية وندرتها يدفعان المرضى إلى رحلة بحث مرهقة، فإن الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية تحول بدوره إلى عامل حاسم يعيد ترتيب أولويات المواطن العادي.

وهكذا تختصر شوارع طهران حكاية ما خلفته الحرب الأخيرة والحصار البحري من اختراق عميق في نسيج الحياة اليومية؛ حيث تحولت الموانئ الجنوبية التي كانت بوابة البلاد على المياه الخليجية وشريانها الرئيس للتجارة والاستيراد إلى عنق زجاجة يخنق ببطء كل ما يمر عبره. فالدواء الذي لا يصل، والغذاء الذي يتأخر، والسلع التي تتراكم على الأرصفة المتعبة، كلها فصول من قصة واحدة: بلد كان يعتمد على موانئه الجنوبية، فتحولت جراء الحرب إلى ساحة لحصاره.

وفي متجر كبير للمواد الغذائية بحي "شهر آرا" في العاصمة الإيرانية، تقف سيدة في عقدها السادس تُدعى "فتانة " -وهي ربة منزل- أمام رف الزيوت النباتية؛ تمد يدها نحو عبوة ثم تتراجع، تقلب أخرى لتقرأ سعرها ثم تعيدها ببطء، فتقول "ارتفعت أسعارها عدة مرات منذ بداية الحرب.. كنت أحرص على شراء أفخر علامات زيت الزيتون لأسرتي، لكنّ أسعارها لم تعد معقولة، وحتى زيت عباد الشمس صار ثمنه اليوم يعادل فاتورة سلعة شبه فاخرة".

ثم اختارت فتانة أخيرا زجاجة، وقالت للجزيرة نت "هذا ما صرنا إليه.. نقضي وقتا لنقرأ الأسعار أولا ثم نحسب.. لم أعد أعرف ما إذا كنا سنأكل أم سنكتفي في المرحلة المقبلة بالنظر إلى هذه الأرفف.. الحرب لم تقصف بيتي، لكنها قصفت مائدتي.. وكما تشاهدون السلع متوفرة، لكنّ أسعارها بعيدة عن المتناول".

مصدر الصورة استيراد المواد الأولية والأعلاف في إيران عبر السفن الضخمة أصيب باضطراب كبير (غيتي)

المواد الغذائية

أما فرشيد (37 عاما)، وهو عامل في متجر للمواد الغذائية، فيقول للجزيرة نت إنه منذ اندلاع الحرب في آخر فبراير/شباط الماضي، وتضرر غالبية الموانئ الجنوبية جراء القصف الأمريكي والإسرائيلي، تعيش إيران مفارقة قاسية: سفن تحمل بضائع لا تستطيع كسر الحصار والرسو على الشواطئ الإيرانية، وموانئ ترسو على أرصفتها سفن أخرى لا تستطيع المجازفة بمغادرتها، ناهيك عن أضرار توصف هنا بأنها بليغة لحقت بالبنية التحتية في العديد من الموانئ الجنوبية.

إعلان

وعند سؤاله عن التغييرات التي طرأت على قطاع المواد الغذائية، تبين أن أسعار الأرز المستورد ارتفعت بنسبة تتجاوز 100%، وصعد سعر الزيوت والدهون بنسبة تفوق 260%، ولحوم الدجاج بنحو 150%، وبعض أصناف أسماك المزارع زادت بنسبة تقارب 100% مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.

من ناحية أخرى، يرجع آرمان خالقي، رئيس "الدار الإيرانية للصناعة والتجارة والمناجم"، وهي تجمّع تجاري نظير لغرفة إيران للتجارة والصناعة والمناجم، السبب الرئيسي وراء زيادة الأسعار إلى عرقلة سلسلة استيراد المواد الأولية اللازمة لإنتاج المواد الغذائية، إلى جانب توقف واردات بعض منها لفترات محدودة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقدم خالقي صورة أكثر تركيبا عما يجري خلف الكواليس موضحا "لا نعاني اليوم من نقص حاد في سوق المواد الغذائية؛ فقد تمكنا من سد حاجة السوق عبر المخزونات الإستراتيجية، وإعادة ترتيب الممرات البديلة، والإنتاج المحلي. لكنّ القلق الحقيقي يتعلق بالمستقبل، وما قد تحمله الأشهر المقبلة إذا استمر الحصار على حاله".

مصدر الصورة وفرة في المواد الغذائية في محلات البقالة بطهران رغم الحصار الأمريكي المتواصل على الموانئ الإيرانية الجنوبية (الجزيرة)

الحصار البحري

ويشرح خالقي طبيعة الأزمة بالقول إن المشكلة لا تكمن فقط في الأضرار التي لحقت بالموانئ، بل في منظومة كاملة تعطلت. استيراد المواد الأولية والأعلاف عبر السفن الضخمة أصيب باضطراب كبير؛ إذ تضررت بعض الأرصفة ومرافق التحميل والتفريغ خلال الحرب، مما خفض قدرة البلاد على مناولة البضائع ونقلها. ومع ذلك -يضيف المتحدث- لم تتوقف الموانئ عن العمل كليا؛ فهناك موانئ كثيرة على الساحل الجنوبي وكان بعضها يواصل نشاطه حتى تحت القصف.

ثم ينتقل رئيس الدار الإيرانية للصناعة والتجارة والمناجم إلى جوهر المشكلة كما يراها، ويقول إن "العقوبات الأمريكية الجديدة هي المشكلة الكبرى؛ إنها عقوبات عمياء لا تفرق بين قطاع وآخر، وهي لا تستهدف سلعة بعينها، بل تضرب القدرة على نقل الأموال والمبادلات المصرفية. وحين لا نستطيع نقل النقود لشراء دواء أو غذاء، فكأن السلعة نفسها محظورة. حتى القطاعات الإنسانية التي يُفترض أن تكون مستثناة، صارت في مرمى هذه العقوبات بشكل غير مباشر".

وعن الجهود الجارية لاحتواء الأضرار، يضيف خالقي "عملية الترميم بدأت أثناء الحرب نفسها وتسارعت بعدها. ففي الموانئ التي تعرضت أبراجها للاستهداف، بقيت أرصفة التحميل سليمة، مما يتيح فرصة استئناف العمل فيها جزئيا. وحتى الطرق البرية والجسور المؤدية إلى الموانئ التي قُصفت خلال المعارك جرى إصلاح بعضها، ولا يزال البعض الآخر تحت الصيانة. ما يهم الآن ليس سرد الخسائر، بل ضمان ألا يتحول الحصار إلى خنق كامل لشراييننا التجارية".

إن ما رصدته "الجزيرة نت" في شوارع طهران اليوم ليس سوى تآكل بطيء ومنهجي؛ فالموانئ الإيرانية -رغم تضررها جراء القصف- ما زالت تعمل، لكنها كنافذة نصف مغلقة تطل على أزمة حصار وعقوبات شاملة، مما يجعل مشهد الرفوف -سواء في الصيدليات أو متاجر المواد الغذائية- مشهدا قلقا وفق مراقبين، لأن الحصار المتواصل لا يعلن عن نفسه بصفارات إنذار، بل بنفاد السلع وارتفاع الأسعار.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار