في وقت تتزايد فيه الضغوط على شبكات الكهرباء العربية في فصل الصيف، تكشف أوضاع ليبيا واليمن ولبنان وتونس عن أزمات متفاوتة في طبيعتها وحدتها، تبدأ من انقطاعات مزمنة تمتد ساعات طويلة، ولا تنتهي عند أعطال مرتبطة بموجات الحر وارتفاع الطلب.
وبينما تبدو الأزمة في بعض الدول مرتبطة بتهالك البنية التحتية ونقص الوقود وضعف الاستثمارات، تظل في دول أخرى ظرفية متعلقة بالارتفاع القياسي للاستهلاك، في حين تقدم الجزائر نموذجا مختلفا لمنظومة مستقرة تعرضت لانقطاعات محدودة أثناء موجة الحر.
تشهد ليبيا انقطاعات متكررة في مناطق مختلفة من البلاد، مع تأثر المنطقة الشرقية بصورة أكبر، إذ سجلت بنغازي حالات إظلام تام متكررة، في حين تتركز الأزمة في غرب البلاد لكن دون تسجيل إظلام شامل.
ونقلت مراسلة الجزيرة نت في ليبيا رشا علي أن ساعات الانقطاع تزايدت تدريجيا من نحو 4 ساعات يوميا إلى 8 ساعات، ووصلت في بعض المناطق إلى 12 ساعة يوميا.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على تعطيل الحياة اليومية، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والصحية، ولا سيما بالنسبة لكبار السن والأطفال، كما أثرت في المناسبات الاجتماعية ودفعت السكان إلى زيادة الاعتماد على المولدات الخاصة.
وأدى ارتفاع الطلب على المولدات إلى زيادة سعر لتر الديزل من 3 إلى 7 دنانير (1 دولار يساوي 6.37 دينار)، بالتزامن مع احتجاجات وإغلاق مجمع مليتة للغاز.
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء حالة النفير العام والعمل على مدار الساعة، متعهدة بتحسن قريب، لكنّ مسؤولا سابقا في الشركة قدر أن معالجة الأزمة بصورة جذرية قد تستغرق نحو 5 سنوات حتى مع اتخاذ إجراءات عاجلة.
وفي مناطق مثل تعز والحديدة و صنعاء، انقطعت الكهرباء التي توفرها الجهات الحكومية بصورة كاملة منذ بداية الحرب، بينما تعتمد تعز بدرجة كبيرة على الطاقة الشمسية بوصفها بديلا محدودا، في ظل تهالك البنية التحتية وتعطل محطة الكهرباء.
وفي المدن الساحلية مثل عدن والحديدة، تتراوح ساعات الانقطاع بين 12 و20 ساعة يوميا، في حين يصل الانقطاع في صنعاء وتعز إلى 24 ساعة، مع اعتماد السكان على الطاقة الشمسية أو المولدات التجارية مرتفعة التكلفة.
وتنعكس الأزمة بصورة مباشرة على القطاع الصحي. وذكر مراسل الجزيرة نت في اليمن صهيب المياحي أن انقطاع الكهرباء تسبب في تعطيل أجهزة طبية حساسة، بينها أجهزة غسيل الكلى والحضانات، فيما تتحمل المستشفيات تكاليف مرتفعة لتشغيل المولدات، الأمر الذي يهدد حياة آلاف المرضى.
كما أدى انقطاع الكهرباء إلى تفاقم معاناة السكان في الصيف، في حين أصبح الحصول على الطاقة عاملا يزيد الفجوة الاقتصادية بين الأسر القادرة على شراء الكهرباء التجارية وتلك التي لا تستطيع تحمل تكلفتها.
وتتركز خطط الحكومة التابعة للسلطات المعترف بها دوليا على تأمين وقود المحطات وصيانة توربينات الحسوة والمنصورة وتشغيل محطة بترومسيلة الغازية، بما يخدم عدن ولحج و حضرموت، بينما تبقى تعز وشبوة ضمن مشاريع الربط الشمسي والغاز المؤجلة.
أما صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين فتظل خارج هذه الخطط، وتعتمد بدرجة أكبر على الحلول التجارية والطاقة الشمسية الذاتية.
وقال المدير العام لمؤسسة الكهرباء في تعز خالد عبد المجيد سعيد للجزيرة نت إن أزمة الكهرباء في المحافظة ليست جديدة، وإن الحديث عنها تكرر طويلا دون نتائج، مضيفا أن المواطنين والمسؤولين وجهوا مطالب ونداءات مستمرة إلى الدولة والسلطات العليا، لكنْ لا جديد يلوح في الأفق لإعادة تشغيل المنظومة.
في لبنان تشمل أزمة الكهرباء مختلف المناطق، مع تفاوت محدود في ساعات التزويد بين المحافظات.
وتؤمّن مؤسسة كهرباء لبنان في معظم المناطق نحو 4 ساعات من الكهرباء يوميا، وقد تنخفض هذه المدة أكثر عند نقص الوقود أو وقوع أعطال، الأمر الذي يفرض ساعات تقنين طويلة بحسب مراسلة الجزيرة نت نجية دهشة.
ودفعت الأزمة معظم الأسر إلى الاعتماد على المولدات الخاصة أو الطاقة الشمسية، وهو ما رفع تكاليف المعيشة والإنتاج، وأثر في المستشفيات وضخ المياه والتعليم والاتصالات، فضلا عن زيادة التلوث الناجم عن مولدات الديزل.
ويرى مصدر مسؤول في وزارة الطاقة تحدث للجزيرة نت أن الأزمة لا ترتبط بنقص الوقود وحده، بل تعكس خللا بنيويا تراكم على مدى سنوات، مشيرا إلى أن الحكومات اعتمدت حلولا مؤقتة بدلا من الاستثمار في معامل إنتاج دائمة، بينما أسهمت الخلافات السياسية والطائفية في تعطيل مشاريع الطاقة.
ويقدّر المصدر أن القدرة الإنتاجية الحالية لا تغطي سوى نحو ثلث الطلب، مما يجعل التقنين أمرا مستمرا.
ويتمثل الحل المستدام، بحسب المصدر، في بناء معامل جديدة وتأمين تمويلها وإصلاح التعرفة لتتناسب مع كلفة الإنتاج، إلى جانب تسديد الدولة مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان بما يضمن قدرتها على شراء الوقود.
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، طرح وزير الطاقة قبل أكثر من شهر على مجلس الوزراء مقترحا لاعتماد تعرفة كهرباء مرنة ترتبط كلفة الكيلوواط/ساعة فيها بكلفة الإنتاج الفعلية، لكنّ مجلس الوزراء لم يقر المقترح بسبب المخاوف من زيادة الأعباء المالية على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
في تونس اتخذت أزمة الكهرباء شكلا مختلفا، إذ جاءت الانقطاعات المتكررة بالتزامن مع موجة حر استثنائية رفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية.
وشهدت مناطق عدة انقطاعات في ذروة الصيف، مما دفع عشرات المواطنين إلى التوجه إلى وكالات الشركة التونسية للكهرباء والغاز للمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالأجهزة المنزلية.
وقالت الشركة إن عمليات القطع هدفت إلى حماية الشبكة الوطنية من انهيار شامل بعد الارتفاع الحاد في الاستهلاك، نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف.
لكنّ خبير الطاقة شرف الدين اليعقوبي يرى أن موجة الحر كانت العامل المباشر الذي فجر الأزمة، مشيرا في حديث سابق لـ"الجزيرة نت" إلى أن قدرة الإنتاج لم تعد تواكب الطلب، خصوصا في ساعات الذروة.
وأضاف أن الحل يتطلب إنشاء محطات جديدة وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، إلى جانب تأهيل البنية التحتية للإنتاج والنقل والتوزيع وتسريع عمليات الصيانة.
وبحسب بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، ارتفع إنتاج الكهرباء في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 6% على أساس سنوي، إلى 7506 غيغاواط/ساعة، بينما زاد الإنتاج الموجه للسوق المحلية بنسبة 4%.
لكنّ هذا النمو لم يكن كافيا لتغطية الطلب في ذروة الصيف، إذ واصلت واردات الكهرباء توفير نحو 9% من حاجات السوق المحلية، مقابل 91% من الإنتاج المحلي الذي تستحوذ الشركة التونسية للكهرباء والغاز على معظمه.
وتعتمد تونس على الغاز الطبيعي في إنتاج نحو 92% من الكهرباء، في وقت يتراجع فيه الإنتاج المحلي من الغاز، مما يزيد اعتماد البلاد على الواردات، ولا سيما من الجزائر.
وتواجه الشركة أيضا ضغوطا مالية، إذ بلغت مديونيتها 7.36 مليارات دينار (نحو 2.49 مليار دولار) حتى يونيو/حزيران 2026، مقابل ديون غير مستخلصة تقارب 6.06 مليارات دينار (نحو 2.05 مليار دولار).
وأدت الانقطاعات إلى خسائر لدى محال تجارية ومطاعم ومخابز وورشات صناعية تعتمد على التبريد أو الإنتاج المتواصل، مع تسجيل تلف مواد غذائية وتعطل معدات وتراجع في المبيعات.
تبدو الجزائر أقل تأثرا بأزمة الكهرباء، إذ شهدت انقطاعا شبه كلي مرة واحدة فقط منذ بداية الصيف، وقع في 13 يوليو/تموز الماضي وشمل نحو 16 ولاية في ذروة الاستهلاك بحسب مراسل الجزيرة نت وليد بوعلام، أما بقية الانقطاعات فكانت متفرقة وغير منتظمة، إلى جانب تراجع الجهد الكهربائي في بعض المناطق.
وتؤكد المعطيات أن الجزائر، بوصفها دولة منتجة ومصدرة للكهرباء، لا تواجه أزمة طاقة هيكلية، وأن الشبكة تلبي الاحتياجات بصورة مستقرة خارج الاستثناءات المرتبطة بموجات الحر الشديدة.
وأدت الانقطاعات المحدودة إلى إزعاج السكان وتأثر بعض الأنشطة التجارية مؤقتا، كما تسبب انخفاض الجهد في تراجع كفاءة أجهزة التكييف، خصوصا القديمة منها.
وتدخلت الفرق الفنية لاحتواء الأعطال وإعادة الخدمة، بينما تواصل الجهات المعنية تحديث الشبكة استعدادا لذروة الاستهلاك الصيفي ومعالجة مشكلات تذبذب الجهد.
تكشف المقارنة بين الدول الأربع أن انقطاع الكهرباء بعدد من البلدان العربية ليس أزمة واحدة ذات أسباب متطابقة.
ففي اليمن ولبنان وليبيا، تبدو المشكلات أكثر ارتباطا بعوامل هيكلية تشمل تهالك البنية التحتية ونقص الوقود وضعف الاستثمارات أو تعقيدات سياسية، بينما كشفت موجة الحر في تونس عن فجوة متزايدة بين نمو الطلب وقدرات الإنتاج.
أما الجزائر، فتشير المعطيات المتاحة إلى أن الانقطاعات الأخيرة كانت استثنائية ومرتبطة أساسا بظروف مناخية وارتفاع قياسي في الاستهلاك، من دون مؤشرات على أزمة هيكلية في منظومة الكهرباء.
وتحتاج معظم هذه الدول إلى زيادة قدرات الإنتاج، وتأهيل شبكات النقل والتوزيع، وتنويع مصادر الطاقة، وتسريع مشاريع الطاقة المتجددة.
بيد أن العقبة الكبرى تظل في قدرة الحكومات على توفير التمويل والاستثمار المستدام، خصوصا في الدول التي تعاني أزمات مالية أو سياسية، إذ أثبتت التجارب أن الاعتماد على حلول مؤقتة، مثل المولدات والوقود المدعوم أو استئجار وحدات إنتاج، لا يعالج جذور المشكلة على المدى الطويل.
وبينما يمكن لموجات الحر أن تضغط مؤقتا على الشبكات، فإن استمرار الانقطاعات سنوات يكشف في بعض الدول عن فجوة أعمق بين حجم الطلب والاستثمار في البنية التحتية، وهي فجوة مرشحة للاتساع مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد استخدام أجهزة التكييف والنمو السكاني والاقتصادي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة