في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
من أمام سيارته العمومية صفراء اللون، لا يتحدث أبو كمال عن أزمة عابرة، بل عن مهنة يشعر بأنها تتآكل أمام عينيه يوما بعد يوم، ويقول الرجل البالغ 52 عاما، وهو واحد من آلاف سائقي سيارات الأجرة في دمشق، إن يومه الطويل لم يعد يكفي لتأمين إيجار السيارة أو متطلبات البيت، بعد أن ازدحمت شوارع العاصمة بتطبيقات النقل الإلكترونية المرخصة وغير المرخصة، إلى جانب السيارات الخاصة التي دخلت على خط نقل الركاب.
بصوت غاضب يختصر أبو كمال المشهد في حديث مع الجزيرة نت قائلا إنهم "جماعة قاصدين الله"، يخرجون من الصباح حتى المساء سعيا وراء لقمة العيش، لكنهم باتوا يعودون بأيدي شبه فارغة.
وبينما كانت المهنة في السابق بالكاد توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة، تحولت اليوم إلى معركة يومية غير متكافئة، في ظل سوق مفتوحة على بدائل كثيرة وشعور متزايد لدى السائقين بأن "التاكسي الأصفر" يخسر مكانته بالتدريج.
عدد من سائقي سيارات الأجرة الذين تحدثت إليهم الجزيرة نت يرون أن انتشار التطبيقات والسيارات الخاصة أدى إلى تراجع حاد في عدد الزبائن، وهو ما انعكس مباشرة على دخلهم اليومي.
ولا يتوقف الأمر عند التطبيقات فقط، فالسائقون يتحدثون أيضا عن مشهد أوسع من "الفوضى" يشمل دخول سيارات من خارج المدينة، وانتشار الدراجات النارية والعجلات الكهربائية، وتوسع وسائل النقل البديلة، بما جعل المهنة، في نظرهم، تقف على حافة الانهيار.
يقول أبو كمال إن معظم شركات النقل والتطبيقات تعمل، من وجهة نظره، خارج الإطار القانوني، مضيفا أن سائقي السيارات العمومية لم يعودوا قادرين حتى على تغطية بدلات إيجار السيارات التي يعملون عليها. بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر فقط بتراجع الدخل، بل بإحساس عام بأن القواعد التي التزم بها السائق العمومي لم تعد تحميه في سوق مفتوحة على الجميع.
من جهته، يصف السائق محمد أبو مضر تأثير هذه التطبيقات على السائقين بأنه "كبير ومباشر"، مشيرا إلى أن معظم يومه، مثل كثير من زملائه، يمر من دون عمل فعلي.
ويقول إن سيارات الأجرة التي كانت تجوب دمشق بحثا عن الركاب أصبحت تقف لساعات أطول، فيما يذهب جزء كبير من الطلب إلى تطبيقات النقل، ولهذا يطالب بوقف هذه التطبيقات، أو على الأقل حصر العمل في قطاع النقل بمن يملكون سيارات عمومية مرخصة.
أما أبو أمجد، فينظر إلى المسألة من زاوية أخرى لا تقل مرارة، فسيارة الأجرة هي مصدر رزقه الرئيسي، وقد التزم -كما يقول- بشراء سيارة عمومية، ودفع الرسوم والتأمينات المطلوبة، والعمل وفق القوانين النافذة، قبل أن تظهر تطبيقات النقل ويبدأ عدد زبائنه بالتراجع، وهو لا يرفض التطور من حيث المبدأ، لكنه يطالب بأن يُسمح له ولزملائه بالعمل ضمن هذه التطبيقات نفسها، مقابل رسوم واضحة وإجراءات قانونية منصفة، بدلا من تركهم خارج اللعبة.
على الجانب الآخر، تبدو الصورة مختلفة قليلا لدى شريحة أخرى من العاملين في هذا القطاع، فمحمد عبد اللطيف، وهو موظف في القطاع العام يبلغ 43 عاما، يقول إنه يلجأ إلى العمل بسيارته الخاصة عبر أحد تطبيقات النقل الإلكترونية خلال الفترة المسائية، بحثا عن دخل إضافي يساعده على مواجهة أعباء المعيشة.
ويضيف أن كثيرا من السوريين باتوا يسلكون هذا الطريق في ظل تدني الرواتب وصعوبة تغطية الاحتياجات الأساسية.
محمد لا يرى نفسه خصما لسائقي سيارات الأجرة العمومية، بل يعتبر أنه يحاول النجاة مثلهم، ويقول إنه يعمل ليل نهار من أجل أسرته، ولا يعتقد أن رزق طرف يجب أن يتوقف على حساب طرف آخر، قائلا: " الله هو الرزّاق".
وبالنسبة إليه، وفرت التطبيقات مرونة في اختيار ساعات العمل، ومنحت كثيرين فرصة لتحصيل مدخول إضافي كانوا بأمس الحاجة إليه، كما منحت الزبائن، في المقابل، شعورا أكبر بالخصوصية والأمان، وهو ما ساهم في اتساع الإقبال عليها.
في ظل هذا التحول، تشير تقارير صحفية محلية إلى وجود ما لا يقل عن 16 تطبيقا إلكترونيا للنقل في سوريا، وسط اشتداد المنافسة بين السائقين وتغير شكل سوق النقل داخل المدن، ولا سيما في دمشق.
في مواجهة هذه الشكاوى المتصاعدة، تقول وزارة النقل إنها تعمل على دراسة قانون متكامل لتنظيم قطاع النقل، بما يشمل ترخيص التطبيقات وضبط المنافسة داخل السوق، بهدف الوصول إلى توازن يحفظ حقوق جميع الأطراف.
ويوضح مدير المكتب الإعلامي في الوزارة عبد الهادي شحادة، في تصريح للجزيرة نت، أن الملف لا يزال قيد الدراسة بسبب تشابكه وحاجته إلى معالجة دقيقة، على أن يُعلن عن الخطوات التنفيذية في الوقت المناسب بعد استكمال الدراسات اللازمة.
ويؤكد شحادة أن أوضاع السائقين والمواطنين تأتي ضمن أولويات الوزارة، وأن العمل جار بالتنسيق مع الجهات المعنية للوصول إلى صيغة تحقق توازنا بين تحسين دخل السائقين وتأمين خدمات نقل ميسرة للمواطنين، كما يشير إلى أن مختلف الخيارات المطروحة تُدرس حاليا بما ينسجم مع الإمكانيات المتاحة والظروف الاقتصادية العامة.
لكن في الشارع، يبدو أن السائقين يريدون أكثر من الوعود. فقد نظم سائقو سيارات الأجرة في دمشق الأسبوع الماضي وقفة احتجاجية في ساحة الأمويين، للتعبير عن استيائهم من انتشار وسائل نقل غير مرخصة وتعدد التطبيقات الإلكترونية التي يقولون إنها أضعفت دخلهم وهددت مصدر رزقهم.
وبين غضب سائقي "التاكسي الأصفر"، وحاجة موظفين وأصحاب سيارات خاصة إلى دخل إضافي، وخطوات حكومية للتنظيم، تقف دمشق أمام مشهد نقل مضطرب، والسؤال الذي يزداد حضورا في أذهان كثيرين ليس فقط كيف يمكن تنظيم هذا القطاع، بل ما إذا كانت سيارة الأجرة التقليدية الصفراء ستنجح في البقاء داخل مدينة تتغير فيها قواعد العمل والتنقل بسرعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة