في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدفقت أولى الإشارات العملية على استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز صباح اليوم السبت، بعدما أظهرت بيانات تتبع السفن خروج أسطول من الناقلات من الخليج العربي وعبوره المضيق، بعد ساعات من إعلان إيران مساء أمس الجمعة فتح الممر البحري أمام السفن التجارية خلال فترة هدنة من 10 أيام في لبنان.
ضم الأسطول 4 ناقلات لغاز البترول المسال، وفق رويترز، إلى جانب عدة ناقلات للمنتجات النفطية والمواد الكيميائية وسفن أخرى قادمة من الخليج، في تطور عكس أول اختبار فعلي لقرار إعادة فتح المضيق بعد أسابيع من الاضطراب الذي أصاب أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم بفعل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.
لكن هذا التحرك لم يبدد الضبابية بالكامل، إذ أظهرت بيانات تتبع أخرى مساء الجمعة أن نحو 20 سفينة، من بينها ناقلات نفط وسفن حاويات وشحن سائب، تحركت من الخليج باتجاه مخرج المضيق، قبل أن ينتهي الأمر بمعظمها إلى العودة أدراجها من دون اتضاح الأسباب بشكل كامل. وهذا ما عزز الانطباع بأن المضيق فُتح من الناحية السياسية، لكن المرور فيه لم يعد بعد إلى طبيعته التشغيلية المعتادة.
في هذا السياق، رسمت تحركات 6 ناقلات يونانية وهندية، وفق بلومبيرغ، صورة أوضح للتردد الذي يطبع سلوك السوق بعد الإعلان الإيراني، فقد اتجهت هذه الناقلات، المحملة بنحو 8.3 ملايين برميل من النفط الخام غير الإيراني، من المياه المقابلة لدبي نحو مضيق هرمز، قبل أن تبدأ بالالتفاف والعودة صباح السبت.
وذكرت بلومبيرغ أن بعض هذه الناقلات توقفت قرب جزيرة قشم الإيرانية بعد الالتفاف، في حين لم يتضح ما إذا كانت العودة ناتجة عن قرار من الملاك بإلغاء العبور، أو عن نوع من تنظيم المرور البحري مع اندفاع السفن نحو المضيق دفعة واحدة. كما أبلغ مالكو سفن داخل الخليج بسماع تحذيرات عبر أجهزة اللاسلكي مساء الجمعة تفيد بأن العبور لا يزال يتطلب إذنا من البحرية الإيرانية.
هذا التردد انعكس بوضوح في مواقف شركات الشحن العالمية، التي رحبت بحذر بإعلان إعادة الفتح لكنها ربطت العودة الفعلية إلى المرور بتوضيحات أمنية وعملية.
ونقلت رويترز عن الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز قوله إن المنظمة تتحقق حاليا من مدى التزام الإعلان الإيراني بحرية الملاحة لجميع السفن التجارية وضمان المرور الآمن.
وقالت جمعية مالكي السفن النرويجية إن عددا من القضايا لا يزال يحتاج إلى توضيح، من بينها مخاطر الألغام البحرية، والشروط الإيرانية، وآليات التنفيذ على الأرض. ووصفت الجمعية الخطوة بأنها مرحب بها إذا كانت تمثل بالفعل بداية فتح المضيق، لكنها لم تعتبرها ضمانة كافية لاستئناف العبور بصورة طبيعية.
من جانبها، قالت مجموعة ميرسك إن أي قرار بمرور سفنها عبر هرمز سيستند إلى تقييمات المخاطر والمتابعة الدقيقة للوضع الأمني، بينما أعلنت هاباغ لويد أنها تعمل على تمكين سفنها من الإبحار عبر المضيق قريبا، لكنها ربطت ذلك بتسوية "جميع المسائل العالقة"، وفي مقدمتها التغطية التأمينية وصدور أوامر واضحة من الحكومة أو الجيش الإيراني بشأن الممر البحري المستخدم وترتيبات مغادرة السفن.
وأضافت أن لجنة إدارة الأزمات لديها لا تزال في حال انعقاد، وتسعى إلى حل هذه المسائل خلال 24 إلى 36 ساعة.
يعكس الموقف أن شركات الشحن لا تنظر إلى فتح المضيق بوصفه قرارا سياسيا فقط، بل كعملية تشغيلية معقدة تتداخل فيها اعتبارات السلامة والتأمين ووضوح الأوامر الميدانية. ولذلك، فإن استئناف عبور بعض السفن لا يعني تلقائيا أن جميع الخطوط الملاحية ستستأنف نشاطها بالوتيرة السابقة نفسها.
في موازاة ذلك، تتحرك عواصم أوروبية باتجاه بناء مظلة أمان دولية للممر البحري. فقد قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن أكثر من 12 دولة أبدت استعدادها للمشاركة في مهمة دولية لحماية الملاحة في مضيق هرمز عندما تسمح الظروف، وذلك خلال اجتماع عبر الفيديو ترأسته فرنسا وبريطانيا وضم نحو 50 دولة من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الاجتماع حمل رسالة موحدة تدعو إلى الفتح الفوري وغير المشروط للمضيق واستعادة حرية العبور، مشيرا إلى أن بعض القطع البحرية الفرنسية الموجودة في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر يمكن الاستعانة بها في المهمة.
ونقلت رويترز عن مسؤول فرنسي كبير أن المهمة قد تشمل تبادل معلومات استخبارية، وقدرات لإزالة الألغام، ومرافقة عسكرية، وآليات لتبادل المعلومات مع الدول المجاورة.
لكن هذه المبادرة لا تشمل حاليا الولايات المتحدة أو إيران، فيما قال دبلوماسيون أوروبيون إن أي مهمة واقعية ستحتاج في نهاية المطاف إلى التنسيق مع الطرفين، كما أشار بعضهم إلى أن المهمة قد لا ترى النور إذا عاد الوضع في المضيق إلى طبيعته بسرعة، بينما يرى آخرون أن شركات الشحن والتأمين قد تطالب بها خلال مرحلة انتقالية لتوفير الحد الأدنى من الضمانات.
بذلك، يبدو أن مضيق هرمز دخل مرحلة "الفتح الحذر": السفن بدأت تتحرك، لكن السوق لا تزال تنتظر دليلا أوضح على أن المرور آمن ومستقر وغير خاضع لقرارات متقلبة. وبين الإعلان السياسي والحركة التجارية الفعلية، تبقى سرعة عودة الثقة هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان أحد أهم ممرات الطاقة في العالم قد عاد فعلا إلى العمل، أم أنه لا يزال يعيش هدنة ملاحية مؤقتة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة