لا يبدو تراجع الذهب في ذروة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد مفارقة سوقية عابرة، بل يعكس تحولا في آلية انتقال الصدمة داخل الأسواق العالمية. ففي الظروف التقليدية، يفترض أن يؤدي اتساع التوترات الجيوسياسية إلى زيادة الطلب على المعدن الأصفر بوصفه ملاذا آمنا.
لكن ما حدث هذه المرة أن الحرب دفعت النفط والغاز إلى الارتفاع، فارتفعت معها توقعات التضخم، وتراجعت رهانات خفض الفائدة الأمريكية، وارتفعت عوائد السندات وصعد الدولار، وهي كلها عوامل ضغطت على الذهب في المدى القصير رغم بقاء الخلفية الجيوسياسية شديدة الاضطراب.
وأبقى مجلس الاحتياطي الفدرالي في 18 مارس/آذار 2026 معدل الفائدة ضمن نطاق 3.50%-3.75%، فيما أظهرت مواد التوقعات الصادرة عنه أن التضخم لا يزال أعلى من المستهدف، مع بقاء حالة عدم اليقين المرتبطة بتطورات الشرق الأوسط مرتفعة.
وفي الوقت نفسه صعد العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من نحو 4.05% في 2 مارس/آذار إلى 4.39% في 20 مارس/آذار، وهو ما رفع كلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائدا مثل الذهب.
لم تٌترجم الحرب في الأسواق باعتبارها مجرد صدمة خوف تدفع تلقائيا نحو الذهب، بل قُرئت أيضا بوصفها صدمة تضخمية تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية. فمع اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة، بدأت الأسواق في إعادة تسعير المسار المنتظر للفائدة الأمريكية، على أساس أن الضغوط التضخمية قد تصبح أكثر رسوخا مما كان متوقعا سابقا.
وفي هذا السياق، أظهرت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات الأمريكي في مارس/آذار أن تكاليف المدخلات سجلت أسرع وتيرة ارتفاع في عشرة أشهر، بينما ارتفعت أسعار البيع بأقوى معدل منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، في إشارة إلى أن قفزة تكاليف الطاقة وتشدد أوضاع الإمداد بدآ ينتقلان تدريجيا من جانب الإنتاج إلى الأسعار النهائية.
ومن هذا المنظور، لم يعد تحرك الذهب انعكاسا مباشرا لتصاعد التوترات العسكرية فحسب، بل بات رهينة للآثار غير المباشرة التي تولدها الحرب، وعلى رأسها ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار. فقد أدى تسعير مخاطر التضخم إلى تعزيز جاذبية الأصول ذات العائد، في مقابل تراجع جاذبية الذهب بوصفه أصلا لا يدر عائدا.
وتعكس الأرقام هذا التحول بوضوح، إذ فقد المعدن الأصفر أكثر من 21% من ذروته التاريخية المسجلة في 29 يناير/كانون الثاني 2026 عند 5594.82 دولارا للأوقية، كما تراجع بنحو 17% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط.
ورغم ارتداده إلى حدود 4491 دولارا في 27 مارس/آذار مدفوعا بعمليات شراء عند الانخفاض، فإنه لا يزال يتحرك دون مستوياته القياسية، في إشارة إلى استمرار الضغوط المرتبطة بمسار الفائدة وقوة العملة الأمريكية.
لا تدعم المعطيات الراهنة استنتاج تآكل وظيفة الذهب باعتباره ملاذا آمنا، بل تشير إلى تغير مؤقت في توازن القوى بين الأصول. فالتراجع السعري لا يعكس فقدان المعدن الأصفر لخصائصه التحوطية، بقدر ما يعكس انتقال جزء من السيولة نحو الدولار والأدوات ذات العائد المرتفع، خاصة السندات قصيرة الأجل.
وعادة ما يستفيد الذهب عندما تقترن المخاطر الجيوسياسية بتراجع العوائد أو بتوقعات تيسير نقدي. إلا أن الوضع الحالي مختلف، إذ أدت الحرب إلى صدمة نفطية رفعت التضخم وأعادت تسعير مسار الفائدة نحو التشدد، مما حدّ من جاذبية الذهب مؤقتا وجعل تفاعله مع الأزمة أكثر تعقيدا مقارنة بالأنماط التقليدية.
ويأتي هذا بعد أن تجاوز الطلب الكلي على المعدن الأصفر وفق بيانات مجلس الذهب العالمي 5 آلاف طن في 2025 للمرة الأولى، مدفوعا بتدفقات استثمارية قوية، في حين بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية نحو 27 طنا شهريا في العام نفسه. كما واصل بنك الشعب الصيني زيادة احتياطياته في يناير/كانون الثاني 2026 للشهر الخامس عشر على التوالي.
وتعكس هذه المؤشرات أن الأساس الهيكلي للطلب لا يزال متماسكا، وأن ما شهده السعر من تراجع حاد يرتبط بعوامل مالية ونقدية قصيرة الأجل، أكثر منه بتحول جذري في سلوك الطلب طويل الأمد.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الاقتصادية مازن إرشيد إن ما جرى يرتبط بما وصفه بـ"أزمة السيولة"، إذ دفعت قفزة النفط فوق 100 دولار للبرميل المستثمرين المؤسسيين إلى تسييل الأصول الرابحة، وفي مقدمتها الذهب، لتغطية خسائر أو لتوفير الدولار اللازم لتجارة الطاقة.
ويضيف إرشيد، في حديثه للجزيرة نت، أن هذا التراجع الذي شهده الذهب لا يعكس انهيارا في مكانته، بل إعادة ترتيب لأولويات السيولة تحت ضغط الأسواق.
ويشير إلى أن بقاء الذهب فوق مستويات الدعم بين 4100 و4200 دولار يبقي على فرص استمرار الاتجاه الصاعد على المدى الطويل، لا سيما مع استمرار مشتريات البنوك المركزية، مشيرا إلى أن بعض بيوت الخبرة لا تزال تستهدف مستويات بين 6100 و6300 دولار بنهاية 2026، رغم أن المسار نحوها بات أكثر وعورة بفعل ارتفاع العوائد وقوة الدولار.
من جهته يرى المحلل الاقتصادي أحمد عقل أن قوة الدولار كانت عاملا رئيسيا في التراجع الحاد للذهب، وأن تثبيت الفائدة الأمريكية وتراجع توقعات الخفض عززا جاذبية العملة الخضراء والودائع والأدوات ذات العائد.
ويشير عقل، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن موجات التسييل أدت دورا مهما، لكنها تبقى محدودة زمنيا، إذ دفعت توقعات التهدئة أو المفاوضات بعض المستثمرين إلى بيع الذهب لجني الأرباح، فيما اتجه آخرون لاستغلال تراجع الأسهم العالمية وإعادة توجيه أموالهم نحو أصول منخفضة السعر.
ويوضح عقل أن الحرب أدخلت "عامل التضخم" بقوة إلى المعادلة، فبدلا من أن تعمل التوترات الجيوسياسية وحدها لصالح الذهب، أدى الارتفاع السريع في أسعار النفط -مع تعطل نحو 20% من الإمدادات المارة عبر مضيق هرمز- إلى زيادة الضغوط التضخمية، وتعزيز احتمالات تثبيت الفائدة أو رفعها، مما أثر على جاذبية المعدن الأصفر أمام الدولار. ووفق هذا الطرح، فإن ما جرى لا يعكس خروجا للذهب من معادلة التحوط، بل تحولا مؤقتا في تفضيلات المستثمرين نحو الأصول الأعلى سيولة وعائدا.
في الوضع الراهن، لا يبدو الرهان على أداة واحدة كافيا، إذ يرى إرشيد أن الذهب الفعلي، مثل السبائك والعملات أو الصناديق المدعومة بالمعدن، يظل خيارا أكثر اتزانا لصغار المستثمرين مقارنة بالعقود الآجلة، نظرا لانخفاض مخاطر ضغوط الهامش والتقلبات الحادة. كما يشير إلى جاذبية السندات الحكومية قصيرة الأجل في الاقتصادات المتقدمة، مستفيدة من مستويات العائد المرتفعة الحالية.
في المقابل، يرى عقل أن أدوات التحوط لم تعد تقتصر على الذهب، بل تمتد إلى النقد القوي وبعض السندات المنتقاة، إلى جانب الأصول الحقيقية مثل العقار، مشددا على أن فاعلية كل أداة ترتبط بطبيعة الصدمة ومدى اتساع الحرب ومدتها. ويعكس ذلك، من منظور تحليلي، أن التحوط الأمثل في المرحلة الراهنة يقوم على التنويع لا التركيز، في ظل تعدد مصادر المخاطر بين الجيوسياسي والنقدي والطاقي.
ويشير المحلل الاقتصادي أحمد عقل إلى أن مسار الذهب في المرحلة المقبلة سيتحدد وفق ثلاثة متغيرات رئيسية، هي أسعار الطاقة وعوائد السندات الأمريكية وسلوك البنوك المركزية.
ويوضح أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار الضغوط الحالية إذا بقيت أسعار النفط والغاز مرتفعة، بالتوازي مع بقاء عوائد السندات الأمريكية قرب مستوياتها الأخيرة، وهو ما قد يدفع الذهب إلى التحرك في نطاق متذبذب أو اختبار مستويات دعم أدنى، خاصة إذا أكدت قراءات التضخم المقبلة استمرار الضغوط السعرية، في ظل ما تعكسه مؤشرات مارس/آذار من تسارع في تكاليف الإنتاج.
أما السيناريو الثاني، فيرتبط بانحسار نسبي في صدمة الطاقة أو تراجع الدولار والعوائد، بما يسمح للذهب باستعادة جزء من خسائره، مشيرا إلى أن تحركات السوق في 27 مارس/آذار أظهرت قدرة المعدن على الارتداد مع ظهور طلب شرائي عند المستويات المنخفضة، غير أن تحقق هذا المسار يظل مرهونا بتحسن بيئة الفائدة أكثر من كونه مرتبطا بالتطورات الجيوسياسية وحدها.
ويضيف عقل أن سلوك البنوك المركزية يمثل عاملا حاسما أيضا، إذ قد تضطر بعض الدول المستوردة للطاقة إلى بيع جزء من احتياطياتها من الذهب لتغطية احتياجات النقد الأجنبي أو دعم عملاتها.
ويستشهد في هذا السياق ببيانات أظهرت تراجع احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي التركي بأكبر وتيرة أسبوعية منذ عام 2018، عبر بيعه نحو 60 طنا من الذهب بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار، في تطور يعكس الضغوط التي تفرضها الحرب وتقلبات الأسواق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة