حتى مساء أمس الجمعة، بدا واضحا أن الحرب لم تعد تقتصر على الأهداف العسكرية والأمنية، بل امتدت إلى صميم البنية الصناعية الثقيلة في إيران، بعد الإعلان عن استهداف مصانع "فولاذ مباركة" في أصفهان و"فولاذ خوزستان" في الأهواز، وقبلهما بيوم مصنع "فولاذ آسيا" في الأهواز.
وبحسب السلطات المحلية والشركات ووكالة "إيلنا" التابعة للاتحاد شبه الرسمي للعمال، أسفر الهجوم على "فولاذ مباركة" عن قتيل و15 جريحا، بينما قالت المصادر نفسها إن الهجوم على "فولاذ خوزستان" ألحق أضرارا ببعض المنشآت من دون تسجيل إصابات بشرية حتى وقت النشر.
ولا يتعلق الأمر هنا بمصنعين عاديين. فبحسب بيانات منشورة على موقع "فولاذ مباركة"، يستحوذ قطاع الصلب في إيران على نحو 4.5% من الاقتصاد الوطني، ويعادل 16.5% من الصادرات غير النفطية، فيما تصل صادرات سلسلة الصلب إلى نحو 8 مليارات دولار.
ووفقا لتقرير صادر عن الرابطة العالمية للصلب (worldsteel) عام 2025، بلغ إنتاج إيران من الصلب الخام في عام 2024 نحو 31.4 مليون طن، وجاءت في المرتبة العاشرة بين منتجي الصلب في العالم. كما أظهر بيان شهري منفصل للرابطة أن إنتاج إيران في ديسمبر/كانون الأول 2024 بلغ 2.6 مليون طن.
وتتركز الكتلة الأهم من هذه الصناعة في أصفهان. فمجموعة "فولاذ مباركة" تقول في بياناتها الرسمية إنها تنتج نحو ثلث الفولاذ في إيران، وإن الطاقة الحالية للمجموعة تبلغ 11.1 مليون طن.
وتظهر أرقام أخرى منشورة على موقع الشركة أن "فولاذ مباركة" أنتجت في العام الإيراني 1403 (يبدأ في 21 مارس/آذار 2024) نحو 8.9 ملايين طن من بلاطات الصلب و7.3 ملايين طن من الحديد الإسفنجي و7.1 ملايين طن من مكورات خام الحديد، مما يعني أن أي إصابة تطال هذا المجمع لا تصيب مصنعا محليا فحسب، بل تضرب أكبر ثقل منفرد في الصناعة الفولاذية الإيرانية.
أما "فولاذ خوزستان"، فهي القطب الثاني الأكثر حساسية، لكن بطابع مختلف: طابع أقرب إلى الصلب الوسيط والتصدير. ووفق مادة نشرتها "إيلنا"، توصف "فولاذ خوزستان" بأنها أكبر مُصدّر للصلب الإيراني، وقد صدّرت نحو 5.8 ملايين طن إلى 28 دولة منذ 21 مارس/آذار 2020 حتى 20 مارس/آذار 2024، رغم أن قيود الطاقة تسببت -بحسب المصدر نفسه- في فقدان أكثر من 2.5 مليون طن من إنتاجها في تلك الفترة.
كما تشير بيانات منشورة في "إيلنا" إلى أن احتياجات الشركة من الخام ترتبط بإنتاج سنوي يناهز 3.8 ملايين طن من الصلب الوسيط، مما يفسر موقعها المحوري في السوق الداخلية وفي التصدير على السواء.
وبهذا المعنى، فإن استهداف أصفهان وخوزستان ليس استهدافا جغرافيا لموقعين صناعيين فقط، بل ضربا لعقدتين أساسيتين في الخريطة الفولاذية الإيرانية، إذ تمثل الأولى مركز الإنتاج الكمي الأكبر، والثانية مركز الصلب الوسيط والتصدير.
ولذلك فإن أي تعطل ممتد فيهما ستكون له كلفة على السوق المحلية، وعلى تدفقات النقد الأجنبي، وعلى قدرة إيران على الحفاظ على موقعها بين كبار المنتجين العالميين.
وفي تفاصيل ضربة أمس الجمعة، قالت "فولاذ مباركة" في بيان إن الهجوم استهدف جزءا من منشآت الكهرباء وجزءا من ورشة صناعة الصلب.
وأوضح محافظ أصفهان أن الضربة أصابت محطتي كهرباء بقدرتي 914 ميغاواط و250 ميغاواط في مباركة، إضافة إلى إلحاق أضرار بجزء من ورشة "فولاذ مباركة".
لكن، وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا توجد في المصادر الإيرانية المنشورة أرقام رسمية تفصيلية تحدد كم كانت تنتج بالضبط الوحدة الصناعية المصابة داخل ورشة الصلب، أو ما حجم الفاقد الإنتاجي الفعلي الناتج عن تعطيل منشآت الكهرباء.
وفي "فولاذ خوزستان"، تحدثت "إيلنا" عن تعرض بعض منشآت الشركة لأضرار، مع تأكيد عدم وقوع قتلى أو جرحى.
وفي تفاصيل إضافية عن الهجوم، قالت العلاقات العامة للشركة إن الضربة أصابت وحدات الاختزال المباشر 2، و"الميغامودول زمزم 3″، إضافة إلى قسم صناعة الفولاذ، مما أدى إلى توقف خطوط الإنتاج.
ولم يبدأ استهداف قطاع الصلب الإيراني أمس فقط. فقبل ذلك بيوم، أفادت "إيلنا" بأن مصنع "فولاذ آسيا" في الأهواز تعرض لإصابة مباشرة في أحد المخازن، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة اثنين.
وبهذا يكون المسار التصاعدي واضحا: من استهداف وحدة صناعية أصغر نسبيا في الأهواز، إلى إصابة اثنين من أثقل الأسماء في قطاع الصلب الإيراني في يوم واحد.
وقبل اندلاع الحرب، لم يكن قطاع الصلب الإيراني في حالة انهيار، لكنه كان يعمل تحت ضغط مزمن من أزمة الطاقة. فقد أظهرت بيانات نشرتها وكالة "مهر" الإيرانية أن إنتاج 2024 نما بصعوبة، فيما تراجع إنتاج ديسمبر/كانون الأول بسبب نقص الغاز والكهرباء.
وفي داخل "فولاذ مباركة"، تحدثت بيانات منشورة على موقع الشركة عن أكثر من 75 يوما من القيود الحادة على الغاز منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كما أشارت مادة أخرى منشورة على الموقع نفسه إلى توقفات تشغيلية بلغت نحو 35 يوما في خطوط الدرفلة والفولاذ بسبب انقطاع الكهرباء.
وفي "فولاذ خوزستان"، قالت "إيلنا" إن خسائر القيود الطاقية بين 21 مارس/آذار 2020 حتى 20 مارس/آذار 2024 تجاوزت 2.5 مليون طن من الإنتاج.
من هنا، تبدو الضربات الأخيرة أكثر من مجرد إصابات موضعية في منشآت صناعية. فهي -إذا استمر أثرها- قد تدفع قطاعا كان يعاني أصلا من اختناقات الطاقة إلى مرحلة أكثر هشاشة، وتضغط على أحد أهم مصادر الإيرادات غير النفطية لإيران.
وحتى مع غياب أرقام إيرانية نهائية عن حجم تضرر الإنتاج في الوحدات التي ضُربت أمس، فإن الثابت حتى الآن هو أن الحرب وصلت إلى قلب الصناعة الفولاذية الإيرانية، ولم تعد تقتصر على أطرافها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة