آخر الأخبار

"سلاح الملاذ الأخير" .. متى تستخدم الدول احتياطاتها النفطية الإستراتيجية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتزايد أهمية الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية في الأسواق العالمية مع اتساع الاضطرابات التي تضرب تجارة الطاقة، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، وإعلان عدد من شركات النفط والغاز الكبرى في الخليج حالة " القوة القاهرة"، بما يثير المخاوف من انقطاع أوسع في الإمدادات وارتفاعات حادة في الأسعار.

وتأتي هذه التطورات عقب الكشف عن اجتماع وزراء مالية دول مجموعة السبع لمناقشة إمكانية الإفراج المشترك عن النفط من احتياطيات الطوارئ بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، قبل أن ينتهي بتوافق على عدم السحب في الوقت الحالي، مع الإبقاء على الخيار مطروحا إذا تفاقمت التطورات.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 هل تنجح إجراءات ترمب في احتواء صدمة النفط التي أشعلتها الحرب على إيران؟
* list 2 of 3 مجموعة السبع تبحث استخدام الاحتياطي الإستراتيجي للنفط
* list 3 of 3 اليابان تلجأ إلى احتياطياتها من النفط مع تصاعد حرب إيران end of list

ويعكس هذا النقاش حساسية اللحظة الراهنة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بقدرة الاقتصادات الكبرى على احتواء صدمة محتملة في حال طال تعطل الإمدادات من مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من النفط والغاز العالميين.

يتزامن ذلك مع تصريح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بأن الولايات المتحدة تدرس ترتيب مبيعات من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي بالتنسيق مع دول أخرى في حال قررت السحب من مخزوناتها، مما يشير إلى أن هذا الخيار لا يزال قيد الدراسة ضمن أدوات إدارة الأزمة في الأسواق العالمية.

كما يكتسب الموضوع زخما أكبر في ظل القفزة التي شهدتها أسعار النفط في الأيام الماضية، مع تجاوز خام برنت مستوى 119 دولارا للبرميل في بعض التداولات، قبل أن يتراجع إلى ما دون 100 دولار، وسط مخاوف من أن تتحول الأزمة الجيوسياسية إلى صدمة طاقة واسعة النطاق تدفع الدول المستوردة إلى استخدام مخزوناتها الإستراتيجية، واعتبار ذلك مخرجا مؤقتا.

مصدر الصورة أسعار البنزين ارتفعت عبر العالم بعد أيام فقط من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (الفرنسية)

ماذا يعني الاحتياطي الإستراتيجي للنفط؟

الاحتياطي الإستراتيجي للنفط هو مخزون طوارئ تحتفظ به الدول، أو تفرض على شركاتها الاحتفاظ بجزء منه، بهدف استخدامه عند حدوث انقطاع كبير أو مفاجئ في الإمدادات، سواء بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الجيوسياسية أو الاختناقات اللوجستية الحادة.

إعلان

وتقوم فكرة هذه الاحتياطيات على مبدأ بناء هامش أمان يسمح للدول بمواصلة تلبية احتياجاتها الحيوية لفترة محددة إذا تعرضت الأسواق لهزة كبيرة، بما يمنح الحكومات وقتا لإدارة الأزمة والبحث عن بدائل أو انتظار عودة الإمدادات الطبيعية.

وفي الولايات المتحدة، التي تمتلك أكبر احتياطي إستراتيجي معلن في العالم، يخزن النفط في كهوف ملحية ضخمة في تكساس ولويزيانا، وتبلغ السعة التصميمية لهذا الاحتياطي 714 مليون برميل، بينما يضم حاليا نحو 415.4 مليون برميل، أي أقل من 60% من طاقته القصوى بعد السحوبات الكبيرة التي جرت في عام 2022. ومنذ أن بدأ ترامب ولايته الثانية، لم يرتفع حجم الاحتياطي إلا بنحو 5%.

متى تستخدم الدول احتياطاتها الإستراتيجية؟

تلجأ الدول عادة إلى هذه الاحتياطيات عندما تتعرض إمداداتها النفطية أو أسواق الطاقة لديها لخطر مباشر، سواء نتيجة حرب أو إغلاق ممرات بحرية إستراتيجية أو تضرر منشآت إنتاج أو تصدير أو ارتفاعات حادة في الأسعار تهدد الاقتصاد والنمو والتضخم.

وفي هذا السياق، يقول الخبير في شؤون الطاقة ممدوح سلامة للجزيرة نت إن الدول التي تملك احتياطيا إستراتيجيا تلجأ إليه عندما تتعرض إمداداتها للخطر، موضحا أن معظم الدول تعتمد في الأصل على الشراء اليومي لتلبية حاجاتها الاقتصادية والأمنية، لكن إذا وقع تطور كبير، مثل إغلاق مضيق هرمز، وتوقفت الإمدادات إلى السوق العالمية، فإنها تضطر إلى استخدام جزء من مخزونها فترة محددة إلى أن تنجلي الأزمة وتعود الأمور إلى طبيعتها.

ويعني ذلك أن الاحتياطي الإستراتيجي ليس بديلا عن السوق الطبيعية، بل يوفر متنفسا مؤقتا يسمح بامتصاص الصدمة الأولى ومنع تحول نقص الإمدادات إلى أزمة فورية في الاستهلاك والإنتاج والنقل.

ويرى الخبير في شؤون الطاقة أحمد طرطار أن اللجوء إلى هذه المخزونات يصبح أكثر إلحاحا في الأزمات الكبرى التي تتداخل فيها الحرب مع تعطل الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإعلان القوة القاهرة من المنتجين.

ويقول طرطار في حديث للجزيرة نت إن الدولة المستهلكة تصبح مجبَرة على اللجوء إلى احتياطاتها الإستراتيجية من النفط باعتبارها متنفسا مؤقتا لمجابهة الانقطاع في الإمدادات في قريب الأجل، لكنه يشدد على أن هذا الخيار صعب ومؤقت ولا يمكن التعويل عليه فترات طويلة.

هل ينجح استخدام الاحتياطات في تهدئة الأسواق؟

يمكن للاحتياطيات الإستراتيجية أن تهدئ الأسواق جزئيا، لكنها لا تمثل حلا دائما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطل الإمدادات من الخليج. فالسحب من هذه المخزونات يضيف براميل إلى السوق، ويوجه إشارة نفسية وسياسية إلى المتعاملين بأن الدول الكبرى مستعدة للتدخل لمنع انفلات الأسعار.

وفي المقابل، تشير المفوضية الأوروبية إلى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تملك حاليا مخزونات من النفط تكفي لمدة تصل إلى 90 يوما، مؤكدة أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على وجود وضع طارئ في هذا الصدد.

ولهذا السبب تحديدا يصبح مجرد التلويح باستخدام الاحتياطي أداة في حد ذاته، إذ قد يخفف الضغوط السعرية حتى قبل تنفيذ السحب فعليا، كما حدث مع النقاشات الجارية داخل مجموعة السبع.

إعلان

غير أن هذا التأثير يبقى محدودا زمنيا، لأن الاحتياطات ليست موردا إنتاجيا متجددا، بل مخزونات سبق سحبها من السوق وخزنت لمواجهة الطوارئ. وعندما تستخدم، فإنها تمنح السوق وقتا إضافيا فقط، لكنها لا تعوض بشكل كامل توقف تدفقات ضخمة إذا استمرت الأزمة أسابيع أو أشهرا.

ويشير خبير الطاقة ممدوح سلامة إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يملكان معا نحو 1600 مليون برميل من الاحتياطيات، لكنه يشير إلى أن هذه الكميات، بناء على استهلاك هذه الدول مجتمعة، تكفي لنحو 25 يوما فقط، محذرا من أن استخدام كل هذه الاحتياطيات يعني أن تلك الدول تخاطر بأمنها الطاقي في محاولة لتجنب الأسعار المرتفعة أو انعدام الإمدادات.

ويضيف سلامة أن العالم يعيش حاليا ظرفا شديد الحساسية مع تسارع التوترات والخلافات بين القوى الكبرى، مما يجعل السحب الواسع من الاحتياطيات خطوة غير مريحة للدول الصناعية، لأنها قد تجد نفسها لاحقا أمام أزمة أعمق من دون هامش أمان كاف.

ما هي أكبر الدول من حيث الاحتياطيات الإستراتيجية؟


* الولايات المتحدة: تملك نحو 415.4 مليون برميل، وهو ما يعادل نحو 125 يوما من صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام.
* الصين: يقدر مخزونها الإستراتيجي بنحو 900 مليون برميل، وهو ما يعادل حوالي 78 يوما من الواردات النفطية.
* اليابان: تملك مخزونات حكومية تبلغ نحو 260 مليون برميل، تكفي لتغطية الاستهلاك مدة تصل إلى 146 يوما.
* ألمانيا: تحتفظ بمخزونات طوارئ تقدر بنحو 145 مليون برميل، تكفي لتغطية الاستهلاك لنحو 70 يوما.
* فرنسا: تملك مخزونات طارئة تبلغ نحو 122 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية، تكفي لنحو 95 يوما من صافي الواردات النفطية.

كم تكفي هذه الاحتياطات من يوم؟

تختلف مدة كفاية الاحتياطي الإستراتيجي من دولة إلى أخرى تبعا لطريقة احتسابها، إذ قد تقاس على أساس صافي واردات النفط، أو وفقا لحجم الاستهلاك المحلي، أو بحسب القدرة الفنية على سحب النفط وضخه إلى السوق يوميا. وبناء على المعيار المستخدم قد تتباين تقديرات مدة التغطية بشكل ملحوظ.

في الولايات المتحدة مثلا، ورغم ضخامة المخزون، فإن القدرة الفنية على السحب تظل محددة. وبحسب المعطيات المتاحة، يمكن للاحتياطي الأمريكي أن يضخ النفط بمعدل أقصى يبلغ 4.4 ملايين برميل يوميا لمدة تصل إلى 90 يوما، بينما يمكن -إذا جرى السحب بمعدل مليون برميل يوميا- أن يستمر الضخ نحو عام ونصف عام تقريبا.

مصدر الصورة أمريكا تمتلك احتياطيا إستراتيجيا من النفط الخام يبلغ نحو 413.2 مليون برميل (رويترز)

لكن هذه الأرقام لا تعني أن الاحتياطي يستطيع تعويض كل استهلاك السوق الأمريكية أو العالمية، بل تعني فقط أنه يوفر إضافة يومية محدودة مقارنة بحجم الطلب الكبير. فالعالم يستهلك نحو 100 مليون برميل يوميا، والولايات المتحدة وحدها تستهلك نحو 20 مليون برميل يوميا، مما يوضح أنه حتى السحب الكبير من الاحتياطات لا يستطيع تغطية العجز الشامل إذا استمرت الحرب وتوسعت.

ولهذا يرى أحمد طرطار أن هذه المخزونات قد تستهلك في غضون أيام معدودات إذا طالت الحرب واتسعت آثارها، لا سيما بالنسبة إلى بلدان لا تملك سوى مخزون يغطي نحو شهرين في أحسن التقديرات.

سوابق استخدام الاحتياطي

سبق أن لجأت الدول إلى استخدام الاحتياطي الإستراتيجي في أكثر من أزمة كبرى، من بينها استخدامه بعد حرب الخليج عام 1991، وبعد إعصار كاترينا، وأثناء اضطرابات الإمدادات من ليبيا في 2011، وكذلك بعد اندلاع الحرب الروسيية الأوكرانية في 2022 عندما جرى السحب من المخزونات لتهدئة الأسعار وتخفيف أثر الصدمة على الأسواق.

ويشير ممدوح سلامة إلى أن الولايات المتحدة تقدم بين فترة وأخرى على سحب جزء من احتياطيها الإستراتيجي إذا كانت الأسعار مرتفعة جدا أو إذا أرادت التأثير على السوق.

ويرى أن واشنطن تتدخل في السوق النفطية العالمية عندما ترى أن الأسعار تجاوزت المستويات التي تناسب اقتصادها، في حين تختلف مصالح الدول المنتجة في " أوبك" التي تحتاج إلى أسعار أعلى لتغطية استثماراتها وتمويل موازناتها وبرامجها التنموية.

إعلان

أما أحمد طرطار فيستحضر أيضا صدمة 1973 باعتبارها من أبرز اللحظات التي كشفت القيمة الإستراتيجية للمخزونات النفطية، عندما أدى استخدام سلاح النفط إلى اضطرار عدد من الدول إلى السحب من مخزوناتها، وهو ما سرع في البحث الدولي عن احتواء الأزمة وإعادة تدفق الإمدادات.

ماذا لو طالت الحرب؟

تكمن الإشكالية الأساسية في الاحتياطيات الإستراتيجية في أنها صممت لتوفير هامش زمني إضافي في مواجهة الأزمات، لا لضمان إمدادات مستمرة على المدى الطويل، مما ينذر بحدوث أزمة في السوق إذا طال أمد الاضطراب في الإمدادات.

وفي هذا السياق، يحذر أحمد طرطار من أن استمرار الحرب لفترة أطول سيضر بكل الإمدادات العالمية، سواء من المنتجات الطاقوية أو الغذائية أو الصناعية، كما قد يفضي إلى مزيد من الأضرار في مواقع الإنتاج داخل الخليج، وهو ما يعني توسع حالات القوة القاهرة وتزايد اللجوء إلى المخزونات بصورة استثنائية ومؤقتة. لكنه يضيف أن استفحال الأزمة قد يقود في النهاية إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة.

ويذهب ممدوح سلامة إلى المعنى نفسه مشداد على ضرورة تحقيق توازن بين استخدام الاحتياطي الإستراتيجي وبين الحفاظ على أمن الطاقة، مشيرا إلى أن الإفراط في السحب لتخفيف الأسعار قد يترك الاقتصادات الكبرى مكشوفة في حال تفاقمت الحرب أو تعطل الإنتاج فترة أطول من المتوقع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار