لا يتعامل السوق مع رمضان بوصفه موسما للعبادة فحسب، بل يتعامل معه كقوة طلب موسمية تعيد تشكيل سلوك المستهلكين وتضغط على ميزانيات الأسر.
وتدفع التحولات الاجتماعية والإعلانية شريحة واسعة من الأسر إلى توسيع سلة مشترياتها، وترفع قيمة الفاتورة الغذائية، وتكثّف وتيرة الشراء، حتى عندما يقر المستهلك بوجود ضغوط تضخمية.
وتكشف بيانات "شركة نيلسن آي كيو" -وهي شركة عالمية متخصصة في قياس أداء أسواق التجزئة وسلوك المستهلك- أن رمضان يساهم بنحو 19% من المبيعات السنوية للسلع الاستهلاكية سريعة الدوران في المنطقة، كما يرفع مبيعات الأجهزة المعمرة إلى نحو 15% من إجماليها السنوي.
وتظهر البيانات نفسها أن موسم 2025 سجل نموا بالقيمة بنحو 20.2% وبالوحدات 7.9% مقارنة بالعام السابق.
واستحوذت فئات الغذاء على 81.7% من قيمة المبيعات مقابل 18.3% لغير الغذاء، فيما قفزت التجارة الإلكترونية بنحو 45.4%.
وتعكس هذه الأرقام انتقال الإنفاق من تلبية الحاجة الأساسية إلى توسع رمزي مرتفع الكلفة.
يرفع السوق الإنفاق الإعلاني في رمضان، وتزيد الشركات عروضها وحملاتها، وتدفع المستهلك إلى توسيع اختياراته، ويعيد التاجر ترتيب الرفوف، ويضخ منتجات موسمية، ويكثّف العروض، فيرتفع متوسط قيمة السلة الشرائية، حيث تدفع المنافسة الاجتماعية بعض الأسر إلى مضاعفة الكميات، وتوسيع أصناف الحلويات والمشروبات واللحوم، وتقديم موائد أكبر من الحاجة الفعلية.
يشير تقرير لـ"إبسوس" -وهي شركة أبحاث سوق واستطلاعات رأي عالمية- إلى أن ستة من كل عشرة يخططون مشترياتهم في رمضان ويبحثون عن العروض، غير أن 67% يقرّون بأنهم ينفقون أكثر من المعتاد خلال الشهر.
ويكشف هذا التناقض فجوة بين التخطيط والسلوك الفعلي، ويشير إلى حضور ما يسميه علم الاقتصاد السلوكي "انحياز الحاضر"، حيث يفضّل المستهلك الإشباع الفوري على حساب التكلفة المستقبلية.
يعرّف الاقتصادي الاجتماعي ثورستين فيبلن الاستهلاك التفاخري بأنه إنفاق يهدف إلى إظهار المكانة الاجتماعية لا إلى تحقيق منفعة مباشرة.
ويعيد رمضان تفعيل هذا النمط السلوكي، فتتحول المائدة إلى رسالة رمزية، وتتحول الدعوة إلى مساحة مقارنة، كما تتحول المشتريات إلى إشارة مكانة.
وتعزز المنصات الرقمية هذا السلوك حين تنشر صور الموائد والديكورات والهدايا، فتخلق معيارا بصريا مرتفعًا يدفع الآخرين إلى مجاراته، حيث تعمل ما وصفها عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر بنظرية المقارنة الاجتماعية على تضخيم الإحساس بالفجوة بين الفرد والآخرين، فيرفع مستوى الإنفاق دفاعًا عن الصورة الذاتية.
تدفع العوامل النفسية والاجتماعية المستهلك إلى تجاوز خطته الشرائية، حيث يستجيب الفرد للعرض اللحظي، ويتأثر بالبيئة الاحتفالية، ويتوسع في شراء كميات تفوق حاجته الفعلية.
ويشرح الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ريتشارد ثالر أن الأفراد لا يتخذون قراراتهم وفق عقلانية كاملة، بل يتأثرون بالانحيازات والسياق.
وهنا يرفع السياق الرمضاني مستوى الإشباع اللحظي، ويقلل وزن الكلفة المؤجلة، فتتسع الفجوة بين النية والقرار الفعلي.
وتعكس البيانات هذا المسار بوضوح؛ إذ تزيد قيمة السلة الغذائية رغم إعلان المستهلكين عن نيتهم ترشيد الإنفاق.
ويضاعف التضخم الغذائي هذا الأثر، ويحوّل أي توسع في الكميات إلى عبء مالي مضاعف.
تكثّف الشركات حملاتها في رمضان، وتعيد صياغة رسائلها لتربط الاستهلاك بالكرم والضيافة والهوية، حيث تضخّ المنصات الرقمية محتوى مكثفًا يعرض أنماط إنفاق مرتفعة، فيتضخم المعيار الاجتماعي.
ولا يرى الفرد المتوسط الواقعي، بل يرى النماذج الأعلى إنفاقا، حيث يرفع هذا الانحياز الإدراكي سقف التوقعات، ويزيد ضغط المجاراة.
وتظهر تقارير لـ"إبسوس" أن العلامات التجارية تعتمد استراتيجيات دقيقة لفهم تغير السلوك خلال الشهر، ما يؤكد أن السوق يدرك حساسية المرحلة ويستثمر فيها بكثافة.
يرتفع الهدر الغذائي في المنطقة إلى مستويات مقلقة، حيث يقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير "حالة هدر الغذاء في غرب آسيا" أن نحو 34% من الطعام المُقدّم يُهدر، وتشير أبحاث التقرير إلى أن نسبة الهدر في رمضان قد تتراوح بين 25% و50% من الطعام المُعدّ.
ويعكس هذا الرقم خسارة اقتصادية مباشرة تتحملها الأسر والاقتصادات المحلية، إذ يدفع المستهلك ثمن الشراء والطهي والنقل ثم يتخلص من جزء معتبر من المنتج دون منفعة.
ويحوّل هذا السلوك الإنفاق من كونه استهلاكا إلى تكلفة صافية، فترتفع فاتورة الغذاء، ويزداد الضغط على الدخل، وتتراجع القدرة الادخارية.
ويرفع التضخم الغذائي كلفة أي توسع في الإنفاق، حيث تشير تحديثات الأمن الغذائي الصادرة عن البنك الدولي إلى استمرار ارتفاع أسعار الغذاء في عدد من الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل خلال السنوات الأخيرة.
في مصر على سبيل المثال، تظهر بيانات التضخم التي نقلتها رويترز حساسية مؤشر الأسعار لبند الغذاء والشراب، ما يزيد أثر التوسع الموسمي في الاستهلاك.
ويضغط هذا التلاقي بين الاستعراض والتضخم على الميزانية مرتين:
ويدفع هذا المسار بعض الأسر إلى تآكل الادخار أو إلى الاعتماد على الائتمان قصير الأجل، فتتحول الكلفة من موسمية إلى ممتدة.
يمكن قياس العبء عبر 3 مؤشرات عملية واضحة:
ويشكل رمضان بيئة تطبيقية واضحة لمفاهيم الاقتصاد السلوكي، إذ يعيد السياق الاجتماعي صياغة أولويات الإنفاق ويدفع الأفراد إلى توسيع استهلاكهم بما يتجاوز الحاجة الفعلية.
ومع تسارع التضخم، تتضاعف الكلفة الإسمية لهذا التوسع، بينما يحول ارتفاع معدلات الهدر جزءا من الإنفاق إلى خسارة اقتصادية صافية.
وتُظهر المؤشرات الكمية أن شريحة غير قليلة من الإنفاق الرمضاني تتخذ طابعا رمزيا عالي الكلفة ومنخفض العائد، بحيث يتحول السلوك الاستعراضي، حين يتقدم على الاعتبارات المالية، إلى ضغط ملموس على ميزانيات الأسر واستقرارها النقدي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة