في وقت يتصاعد فيه ضغط إدارة الرئيس دونالد ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تبدو الأسواق المالية حتى الآن أقل قلقا من صانعي السياسات النقدية أنفسهم.
غير أن تقريرًا تحليليًا نشرته بلومبيرغ يحذّر من أن هذا الهدوء قد لا يدوم، وأن اختبار استقلالية البنك المركزي الأميركي يقترب من نقطة قد تُغيّر سلوك المستثمرين.
وتشير بلومبيرغ إلى أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عبّر عن قلق غير مسبوق حيال أحدث تحركات إدارة ترامب، إلى حد إصدار بيان احتجاج في عطلة نهاية الأسبوع، ثم تسجيل رسالة مصوّرة، في خطوة نادرة تعكس حساسية اللحظة، كما وقّع عدد من نظرائه الدوليين رسالة دعم مشتركة.
في المقابل، أظهرت الأسواق قدرا لافتا من اللامبالاة؛ تماسكت سندات الخزانة الأميركية، فيما تسجل مؤشرات الأسهم مستويات قياسية.
وحتى توقعات التضخم، التي تُعد المؤشر الأهم في مثل هذه الحالات، بقيت مستقرة نسبيًا عند نحو 2.35% على المدى الطويل، وهو مستوى لم يتغير كثيرًا منذ فوز ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وارتفعت المؤشرات الرئيسية في "وول ستريت" مع بداية التعاملات اليوم الخميس. وارتفع المؤشر داو جونز الصناعي 0.10%، وصعد المؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بـ0.62%، فيما تقدم المؤشر ناسداك
المجمع 0.95% .
ويفسّر مراقبو الاحتياطي الفيدرالي هذا الهدوء بثقة المستثمرين بأن قرارات الفائدة ما زالت محصّنة مؤسسيًا. فخفض أسعار الفائدة يتطلب أغلبية داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، المؤلفة من 12 عضوًا، وهي أغلبية لا يملك ترامب القدرة على تشكيلها خلال ولايته، حتى مع تعيين رئيس جديد للمجلس.
لكن بلومبيرغ تشير إلى أن هذا الرهان قائم "ما لم يتغير شيء جوهري"، وتلفت إلى أن المحكمة العليا الأميركية ستعقد في 21 يناير/كانون الثاني جلسة مرافعة بشأن مسعى ترامب لإقالة عضو مجلس الاحتياطي ليزا كوك.
ويرجّح محلل التقاضي في بلومبيرغ إليوت شتاين بنسبة 60% أن تنجح كوك في البقاء بمنصبها، مشيرا إلى أن المحكمة العليا تعامل الاحتياطي الفيدرالي بوصفه "كيانًا مختلفًا عن الوكالات الأخرى"، ما يرفع عتبة إقالة أعضائه.
وتحذّر بلومبيرغ من أن نجاح إقالة كوك قد يشكّل، وفق تعبير استراتيجيي بنك ويلز فارغو (Wells Fargo)، "القشة التي قصمت ظهر البعير"، إذ قد يفتح الباب أمام استهداف أعضاء آخرين في مجلس الاحتياطي، بما يمنح البيت الأبيض نفوذًا أوسع لتشكيل أغلبية.
كما ينقل التقرير عن محللي ستاندرد تشارترد (Standard Chartered)، ستيفن إنغلاندر وجون ديفيز، أن تطورًا أخطر قد يتمثل في توجيه اتهام فعلي إلى باول نفسه.
ويقولان: "حتى خطوة ذات مصداقية هامشية قد تُطلق رد فعل استثماري"، محذّرين من أن الدولار قد يتعرض لضغوط ممتدة إذا ساد الانطباع بأن محافظي الاحتياطي يعملون وفق مبدأ التوظيف القابل للإقالة، لأن ذلك يعني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا ومصداقية أقل.
وفي الوقت الراهن، توحي الأسواق بأن استقلال الاحتياطي الفيدرالي لا يزال قائمًا بحكم الأمر الواقع، لكن بلومبيرغ تلمّح إلى أن هذا الاطمئنان مشروط، وأن اختبارا قانونيا أو سياسيا واحدا قد يكون كافيا لتحويل قلق البنوك المركزية إلى قلق تسعّره الأسواق بسرعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة