رغم أن غسل الأرز قبل الطهي يُعد من أكثر العادات انتشاراً في المطابخ حول العالم، فإن الدراسات العلمية الحديثة تشير إلى أن هذه الخطوة قد لا تكون ضرورية بالقدر الذي يعتقده كثيرون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقوام الأرز المطبوخ أو سلامته الغذائية.
وبحسب تقرير نشره موقع Live Science واستند إلى نتائج عدد من الدراسات العلمية وآراء خبراء في علوم الأغذية والتغذية، فإن تأثير غسل الأرز يختلف باختلاف الغاية منه، سواء كانت تحسين القوام أو تقليل الملوثات أو الحفاظ على القيمة الغذائية.
يُزرع الأرز عادة في حقول مغمورة بالمياه بشكل دائم، وعند نضوج الحبوب تُحصد وتُطحن لإزالة القشور الخارجية غير الصالحة للأكل، ما ينتج عنه الأرز البني، قبل أن تُزال طبقة النخالة للحصول على الأرز الأبيض.
وخلال عملية الطحن قد تتعرض بعض الحبوب للتلف، ما يترك طبقة من النشا على سطحها الخارجي، وهو ما دفع كثيرين للاعتقاد بأن غسل الأرز يزيل هذا النشا ويجعل الحبوب أقل التصاقاً بعد الطهي.
لكن دراسة علمية نُشرت عام 2019 أظهرت أن هذا الاعتقاد غير دقيق، إذ أوضحت إيفانجلين مانتزيوريس، اختصاصية التغذية المعتمدة في جامعة أديلايد الأسترالية، أن التصاق الأرز لا ينتج عن النشا السطحي المعروف باسم "الأميلوز"، بل عن نوع آخر من النشا يُسمى "الأميلوبكتين" يوجد داخل الحبة نفسها ويتحرر أثناء عملية الطهي.
وأكدت الدراسة أن كمية الأميلوبكتين المتسربة أثناء الطهي لا تتأثر بغسل الأرز، ما يعني أن عملية الشطف لا تغير مستوى التصاق الحبوب بعد النضج.
وأظهرت اختبارات أجريت على عينات من ثلاثة أنواع مختلفة من الأرز وزنها 10 غرامات ، جرى غسلها بالطريقة نفسها وطهيها لمدة 30 دقيقة، أن العامل الأهم في تحديد درجة التصاق الأرز هو نوع الحبوب المستخدمة وليس عملية الغسل.
وخلص الباحثون إلى أن الأرز اللزج "Glutinous Rice" يمنح أعلى درجات التماسك والالتصاق، في حين يكون الأرز متوسط الحبة وأرز الياسمين أقل التصاقاً بطبيعتهما.
تاريخياً، كان غسل الأرز خطوة ضرورية لأسباب تتعلق بالنظافة والسلامة الغذائية، إذ كان يساعد على إزالة الغبار والحشرات الصغيرة وبقايا القشور والحصى التي قد تختلط بالمحصول أثناء عمليات الحصاد والتخزين.
غير أن بو وانغ، الباحث في علوم الأغذية بجامعة أديلايد، أوضح لموقع "لايف ساينس" أن الأرز المتوافر حالياً في المتاجر الكبرى ومن خلال الموردين الموثوقين يمر بسلسلة طويلة من عمليات التنظيف والمعالجة قبل وصوله إلى المستهلك.
وأشار إلى أن الأرز يُنظف باستخدام معدات متخصصة مثل المناخل وآلات النفخ، ثم يُجفف ويُزال قشره ويُطحن ويُصنف ويُعبأ وفق معايير جودة صارمة، كما تسهم مرحلة التجفيف في تقليل الرطوبة والحد من نمو الميكروبات أثناء التخزين، ما يجعل الأرز منتجاً آمناً نسبياً للاستهلاك دون حاجة ملحة إلى غسله.
ورغم ذلك، يلفت الخبراء إلى أن غسل الأرز قد يحقق بعض الفوائد الإضافية.
فبحسب بيرمال ديو، الباحث في علوم الأغذية والمتخصص في البيولوجيا الجزيئية بجامعة أديلايد، تحتوي بعض أنواع الأرز على كميات طبيعية من الزرنيخ غير العضوي الذي تمتصه النباتات من التربة والمياه أثناء النمو، وقد يساعد شطف الحبوب في إزالة جزء من الزرنيخ الموجود على سطحها.
كما أظهرت دراسة نُشرت عام 2021 أن غسل الأرز قبل الطهي يمكن أن يخفض كمية الجزيئات البلاستيكية الدقيقة "Microplastics" الموجودة فيه بنسبة تتراوح بين 20 و40 في المئة.
ورغم أن التأثيرات الصحية لهذه الجزيئات لا تزال قيد الدراسة، فإن الأدلة العلمية المتزايدة تشير إلى احتمال ارتباطها بمخاطر صحية محتملة.
في المقابل، يؤدي غسل الأرز إلى فقدان جزء من العناصر الغذائية القابلة للذوبان في الماء، مثل النحاس والحديد والزنك والفاناديوم.
إلا أن مانتزيوريس تؤكد أن هذه الخسارة تبقى محدودة من الناحية العملية، لأن الأرز لا يشكل مصدراً رئيسياً لهذه المعادن في النظام الغذائي لمعظم الأشخاص، وبالتالي فإن غسل الحبوب لن يترك تأثيراً غذائياً ملحوظاً.
وتخلص الدراسات التي استعرضها تقرير "لايف ساينس" إلى أن غسل الأرز لا يؤثر فعلياً في درجة التصاقه بعد الطهي، كما أنه لم يعد ضرورة تتعلق بالسلامة الغذائية في معظم أنواع الأرز التجارية الحديثة. ومع ذلك، قد يساعد الشطف في تقليل بعض الملوثات السطحية مثل الزرنيخ والجزيئات البلاستيكية الدقيقة.
ولذلك، يرى الخبراء أن شطف الأرز مرة أو مرتين بلطف قبل الطهي يُعد خياراً عملياً ومتوازناً بالنسبة لمعظم المستهلكين، دون الحاجة إلى الإفراط في الغسل أو القلق بشأن تأثيره على جودة الطبق النهائي.
المصدر:
يورو نيوز