آخر الأخبار

تشوهات نفسية وجسدية في "أصل الأنواع" تكشف معاناة الإنسان العربي الحديث

شارك

تصدرت رواية "أصل الأنواع" للكاتب المصري أحمد عبد اللطيف، الصادرة عن منشورات حياة عام 2025، القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، منافسة خمس روايات من بينها رواية "فوق رأسي سحابة" للمصرية دعاء إبراهيم.

ومنذ عنوانها الذي يستحضر فوراً كتاب داروين الشهير في علم التطور، يدرك القارئ أنه أمام عالم ديستوبي حيث تلتحم الفانتازيا بالواقع في أجواء سريالية تجمع بين ظلال أورويل وعوالم كافكا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف شكلت "مقامات الحريري" جسراً بين الأدب العربي والإسباني؟
* list 2 of 2 الحكّاء الذي منح العالم “علي بابا”.. “غرفة حنا دياب” تفضح نهب حكايات حلب end of list

تدور الرواية حول ثلاث شخصيات رئيسية تتشابك مصائرها في حي المنيل القاهري، يحيط بها طيف من الشخصيات الثانوية التي تجمعها بهم روابط الأخوة والحب والزواج. يسرد الكاتب هذا العالم الغرائبي الفانتازي بصوت راوٍ عليم، في تيار سردي متواصل خالٍ من التقطيع بالنقاط والفواصل، موزع على سبعة أقسام تستحضر رمزية دينية مستوحاة من المسيحية والإسلام.

وتنبثق ثيمة الرواية الكبرى من تشوه نفسي جماعي يصيب أهل الحي إثر فقدانهم فجأة أطرافهم، فتختلط أرواح الأموات بالأحياء، ويصير الأشباح والبشر رفاق مصير واحد، كأنما استدعى الأموات الذين قررت الحكومة نبش قبورهم لعنتهم على العالم.

صورت الرواية التشوه الذي أصاب روح الإنسان العربي في العصر الحديث نتيجة القمع والتخلف، فأصبح كائنا معطوبا لا خلاص له.

مهندس الوباء

يفتتح الكاتب روايته بمشهد المهندس المدني "رام" وهو يكتشف أثناء استحمامه تساقط شعره، في مفتتح يستحضر ذاكرة رواية "صلاة القلق" لمواطنه محمد سمير ندا التي افتتحت بمشهد مشابه. غير أن رام ليس مجرد رجل يفقد شعره؛ فهو المهندس الذي أوكلت إليه الحكومة مهمة هدم المقبرة الملاصقة للحي، تلك المقبرة التي تضم رفات نيفين زوجته الراحلة وحبه الوحيد الذي لا يكف طيفها عن مرافقته.

ومنذ صدور قرار الهدم، بدأت المصائب تتوالى على الحي كالطاعون: فقد رام شعره، وفقد "سيد باتشان" بائع الخضار والمخبر الحكومي أصابع يديه، وفقد "يحيى الحافي" لاعب الكرة الحالم بكأس العالم أصابع قدميه.

إعلان

ثم اتسعت الكارثة؛ بدأ الناس يخسرون أطرافهم تباعاً، هذا ما دفع يحيى إلى فتح دكان لبيع الأطراف الصناعية، إذ وجد في الكارثة تجارة رابحة.

في الوقت ذاته، نهض موتى المقبرة المهددة بالإزالة من قبورهم وباتت أشباحهم تجوب الحي في مشهد صار مألوفاً لدى السكان. ولا أحد يعاني من هذا الحضور الشبحي أكثر من رام، الذي يرهب العتمة والأشباح منذ طفولته ولا يغمض عينيه إلا والغرفة مضاءة؛ فإلى شبح نيفين الذي تعود مرافقته، باتت أشباح أخرى تطرق بابه.

خلّف الوباء تعاسة راسخة في روح الحي؛ سُرقت الابتسامة من الوجوه وحلّ التجهّم ضيفاً دائماً. والمفارقة الصارخة أن رجال الحكومة وحدهم لم تطلهم المصيبة؛ فأطرافهم سليمة وسلطتهم قائمة، وها هم يزينون الحي بأشجار الميلاد احتفاءً بعيد مولد الرئيس المقبل. وهكذا استيقظ الناس على عالم آخر لم يعرفوه يوماً، فلم يجدوا بدا من التعايش معه.

شخصيات فقدت ذواتها

لكل شخصية من هذه الشخصيات الثلاث التي تدور حبكة الرواية في فلكها تاريخ معين أوصلها إلى حاضرها الذي تعيش فيه الآن، وفقدان عضو من جسدها مرتبط بهذا التاريخ دلالةً على فقدان هويتها وانسلاخها عن ذاتها. فرام فقد شعره بسبب الحزن المعشعش في روحه على موت نيفين وموت أم يحيى وفاتن، وسيد باتشان فقد أصابع يديه هو الذي كان ذات يوم سارقاً محترفاً لا يكاد يخرج من السجن حتى يدخل إليه ويدفع مئتي جنيه (نحو 4 دولارات) للضابط ثمناً لحريته. تاب في النهاية عن السرقة وقرر أن يبدأ من جديد بائعاً للخضار، لكن السلطة لم تتركه وشأنه؛ فبدلاً من أن تمحو ماضيه، اشترت صمته واختارته مخبراً لها، فلم يكن أمامه إلا الرضوخ.

أما يحيى الحافي -وفي اسمه دلالة- فكان نجم الكرة في الحي وملء فمِ الأحياء المجاورة التي تتسابق لاستقطابه. وفجأةً، فقد أصابع قدميه؛ ذلك العضو الذي كان كيانه كله، هو الذي حلم يوماً بارتداء قميص منتخب بلاده في كأس العالم. بات الآن يجلس خلف دكانه يبيع الأطراف الصناعية، خاسراً حلمه ومستسلماً لقدره. وحيدة تبدو ناجيةً من كل هذا الخراب هي مريم.

تمرد على سلطة القمع

تبلغ الرواية ذروتها حين يقرر رام رفض أمر الحكومة بهدم المقابر، فيحل غضب السلطة: يُفصل من عمله، ويُحاكَم، ويُصلَب يوم الخميس كما صُلب المسيح، ليقوم في اليوم الثالث يوم الأحد، ويمضي برفقة مريم التي تنتظره على باب القبر.

وبهذا الختام المفعم بالرمزية، تُسدل الرواية السريالية ستارتها، بعد أن رسمت بإتقان التشوه العميق الذي أصاب روح الإنسان العربي في مواجهة القمع والتخلف، حتى غدا كائنا معطوبا عاجزا عن الخلاص.

وتتلاقى "أصل الأنواع" في بعض ثيماتها مع "صلاة القلق" لمحمد سمير ندا الفائزة بالجائزة العام الماضي، في مقاربتها للألم الإنساني وكسر الجسد رمزاً للكسر الوجودي الأعمق. وإن كانت المنافسة على الجائزة هذا العام تبقى مفتوحة، فإن "أصل الأنواع" تحمل من الجرأة الفنية ما يجعلها مرشحاً جديراً بالانتظار.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار