لبرهة من الزمن، تبدو المشاهد أقرب إلى حفل موسيقي منها إلى لقاء ديني. آلاف الأشخاص يغنون ويرفعون أيديهم ويتابعون الفعالية من مدرجات قصر "فيستاليغري" في مدريد. على المنصة يظهر فرانكلين غراهام، نجل المبشر التاريخي بيلي غراهام، ورئيس "جمعية بيلي غراهام الإنجيليّة" وحليف مقرّب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
مهرجان "Festival de la Esperanza" (المصدر باللغة الإسبانية) الذي أقيم في يومي 30 و31 مايو، جمع آلاف المشاركين وأعاد تسليط الضوء على واقع بات أكثر وضوحا في إسبانيا يوما بعد يوم: صعود الكنائس الإنجيلية.
"إسبانيا بحاجة إلى أمل، وهذا الأمل يوجد في يسوع المسيح"، قال غراهام أمام الحضور. وأكد الواعظ أنه يلمس اهتماما متجددا بالإيمان المسيحي في دول أوروبية مختلفة، وأعرب عن أمله في أن تشهد إسبانيا صحوة روحية جديدة.
وبحسب "قس ترامب"، فقد حضر 12.600 شخص اليوم الأول من المهرجان، فيما بقي نحو 2.000 شخص آخرين خارج القاعة بسبب نقص الأماكن. وقد قدّرت "جمعية بيلي غراهام الإنجيليّة" لاحقا إجمالي الحضور خلال عطلة نهاية الأسبوع بـ 18.700 شخص.
جرت التحضيرات للقاء على مدى 18 شهرا، وشارك في تنظيمه نحو 840 كنيسة من مجتمع مدريد تنتمي إلى مذاهب إنجيلية مختلفة. وبحسب المنظمين، شارك قرابة 9.800 شخص أيضا في أنشطة تدريب وتبشير نُظِّمت خلال الأشهر السابقة.
حجم الحدث لفت الانتباه بحد ذاته، لكن هذا الملتقى الجماهيري في "فيستاليغري" يعكس أيضا تحولا أعمق يغيّر خريطة التدين في إسبانيا.
وفقا لأحدث بيانات "Observatorio del Pluralismo Religioso en España" (المصدر باللغة الإسبانية) (مرصد التعددية الدينية في إسبانيا)، كان البلد يضم في سبتمبر 2025 نحو 4.763 دار عبادة إنجيلية. وتمثل هذه الحصيلة زيادة مقارنة بـ 4.455 دارا سُجِّلت قبل عام واحد فقط، وهي أعلى بكثير من 2.944 مكان عبادة أُحصيت في 2011.
كتالونيا تستحوذ حاليا على 1.010 كنيسة إنجيلية، تليها مدريد بـ 855 كنيسة، ثم الأندلس بـ 744، ومجتمع بلنسية بـ 510.
ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية ما زالت صاحبة الغالبية الواسعة، مع 22.922 دار عبادة مسجلة، فإن الكنائس الإنجيلية تمثل اليوم أكثر من نصف مجمل دور العبادة التابعة لغير الكاثوليك.
وكان النمو واضحا بشكل خاص في مدريد. تظهر بيانات المرصد أن عدد الكنائس الإنجيلية في الإقليم ارتفع من نحو 662 إلى 855 خلال أقل من عقد واحد.
وتقدّر المنظمات الإنجيلية أن حجم المجتمع الإنجيلي يناهز حاليا 1,5 مليون شخص، رغم غياب إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد المؤمنين.
ولا يقتصر هذا التوسع على عدد دور العبادة. فبحسب منظمات إنجيلية مختلفة، تعزز حضور هذه الكنائس أيضا في الجامعات، والجمعيات الأهلية، ووسائل الإعلام، والفعاليات العامة، وشبكات التواصل الاجتماعي، ما يعكس قدرا أكبر بكثير من الظهور مما كان عليه قبل عقدين فقط.
يأتي كثير من هؤلاء السكان الجدد من دول تتمتع فيها الكنائس الإنجيلية بحضور أوسع بكثير مما هو عليه في أوروبا. فقد شهدت كولومبيا وفنزويلا وهندوراس وغواتيمالا والبرازيل وجمهورية الدومينيكان، على مدى عقود، نموا قويا للكنائس الإنجيلية والخمسينية.
وبالنسبة إلى عدد كبير من المهاجرين، تقوم الجماعات الكنسية أيضا بوظيفة فضاءات للّقاء والدعم والمرافقة. فإلى جانب الشعائر الدينية، توفر شبكات مجتمعية، وإرشادا، وبيئة عائلية لأولئك الذين يصلون إلى البلاد من دون شبكة اجتماعية راسخة.
ويُشار كثيرا إلى هذه الوظيفة الاجتماعية في التحليلات المتعلقة بنمو الحركة الإنجيلية. فبالنسبة إلى كثير من الوافدين الجدد، تؤدي الكنائس دور أول شبكة دعم، إذ تسهّل بناء علاقات شخصية ومهنية وتمنح إحساسا بالانتماء في بيئة جديدة.
كما تُلاحظ زيادة الحضور العلني للحركة خارج دور العبادة.
قبل أسابيع من مهرجان "الأمل"، جمع لقاء "The Change Madrid" (المصدر باللغة الإسبانية) نحو 35.000 شخص في ملعب "متروبوليتانو"، بحسب المنظمين. وقد استضاف الحدث وعّاظا دوليين، وشهد مشاركة لاعب كرة القدم البرازيلي السابق داني ألفيش، الذي قدّم شهادة شخصية عن تحوله الديني بعد فترة سجنه.
وأظهر هذا الموعد حجم التغير الذي شهدته الحركة في الأعوام الأخيرة. فما كان لعقود طويلة مرتبطا بجماعات صغيرة وقاعات أحياء، بات اليوم قادرا على ملء بعض أكبر القاعات في إسبانيا.
ويستند جزء من هذا النمو إلى صيغ تجمع بين الموسيقى الحية، والإنتاج السمعي البصري، والبث الرقمي، والشهادات الشخصية، في مزيج من الاندفاع الديني والعاطفة والعرض أسهم في تعزيز حضورها في الفضاء العام.
وتزامنت هذه الفعاليات الجماهيرية الأخيرة مع الأيام السابقة لـ وصول البابا ليون الرابع عشر إلى إسبانيا. وبينما تظل الكنيسة الكاثوليكية ذات الأغلبية الساحقة، تسجل الكنائس الإنجيلية واحدا من أسرع معدلات النمو في البلاد.
أما الآلاف الذين احتشدوا في "فيستاليغري" فلم يكونوا سوى التعبير الأوضح عن تحول يتقدم بهدوء منذ سنوات، بعيدا عن الأضواء، في أحياء ومدن أنحاء البلاد.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة