آخر الأخبار

كتب نزحت 13 مرة.. عنقاء غزة تُبعث وسط الدمار

شارك

غزة- في غزة، لا تُكتب الوصايا للأحياء وحدهم، هنا، حيث تتقاطع الخسارة مع الذاكرة، قد يجد الإنسان نفسه يكتب وصيته لما يخشى عليه من الضياع أكثر من نفسه.

في لحظة نزوح مثقلة بالخوف، جلس عمر حمد يدوّن كلمات قصيرة وجّهها لكتبه، كأنما يودّع جزءا حيا من روحه، فكانت كمحاولة أخيرة لحماية ما تبقّى من ذاكرة مكتوبة، في مكان تتبدد فيه الأشياء سريعا.

في افتتاح مكتبة "العنقاء" بمدينة غزة، أول أمس الثلاثاء، تصطف الكتب بهدوء على رفوف خشبية جُمعت بعناء في قطاع استُنزفت فيه مقومات الحياة، وبين تلك الرفوف، بدا مؤسس المكتبة عمر حمد مشدودا إلى كتبه التي شُردت معه 13 مرة، قبل أن تجد أخيرا مكانا تستقر فيه.

فتح الشاب الغزيّ ذراعيه نحو الرفوف وقال: "هم جزء من شخصيتي وكياني وروحي، وأخيرا أعطيتهم مكانة خاصة تليق بهم".

مصدر الصورة كتب مؤسس مكتبة العنقاء عمر حمد نزحت معه 13 مرة قبل أن تستقر في المكتبة (الجزيرة)

المكتبة فعل مقاوم

وخلال حرب الإبادة على غزة، دخلت العلاقة بين الإنسان والكتاب طورا شديد القسوة، فرضته شروط البقاء اليومية في ظل انعدام الوقود واشتداد الحصار، صار الورق وسيلة لإشعال النار، ووصلت الكتب إلى الأرصفة لتُباع بالكيلو، بعد أن كانت تُقتنى للقراءة والمعرفة.

ويحمل هذا المشهد دلالة جارحة على مقدار ما أصاب حياة الناس من اختلال، حين تهبط أدوات الوعي إلى مرتبة الحاجات العاجلة تحت ضغط الجوع والبرد والخوف.

يقول أحد المشاركين في تأسيس المكتبة حسام حمد، إن افتتاح المكتبة حمل دلالة تتجاوز حدود المكان، إذ عكس حضور فئة من المجتمع ما زالت تتمسك بالثقافة والمعرفة رغم ثقل الواقع.

وفي غزة، يغدو افتتاح مكتبة علمية فعلا ثقافيا مقاوما، ومحاولة واعية لإبقاء العقل حاضرا في مواجهة ظروف تستنزف الإنسان وتضغط على وعيه وحياته اليومية.

وتسعى مكتبة "العنقاء" إلى إيصال معرفة حقيقية وصادقة تعكس صورة أهل قطاع غزة ودورهم في المجتمع، في وقت تتعرض فيه الثقافة الفلسطينية وتاريخها لهجمة مستمرة.

إعلان

وفي هذا السياق، يكتسب الكتاب وظيفة تتجاوز القراءة، إذ يتحول -كما يصفه عمر- إلى معالج نفسي يفتح نافذة على واقع أكثر رحابة، ويمنح القارئ مساحة يتنفس فيها بعيدا عن ضغط الحرب.

مصدر الصورة "افتتاح مكتبة العنقاء بستة آلاف كتاب في مختلف العلوم (الجزيرة)

6 آلاف كتاب يتربع الأدب الغزّي على عرشها

وتضم المكتبة اليوم أكثر من 6 آلاف كتاب، تتنوع بين العلمية واللغوية والصحافة والإعلام والتربية والإدارة والمحاسبة والاقتصاد باللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب كتب في الطب والرياضيات والقانون والتاريخ.

كما تحتضن أمهات الكتب في الفقه وعلوم الحديث، وسلاسل الأحاديث الصحيحة وشروحها، وكتب علوم القرآن والتفاسير والعقيدة، فضلا عن الأدب العربي والمترجم من لغات عدة، منها الإسبانية والإنجليزية والفرنسية والروسية واليابانية، إلى جانب الروايات العربية والعالمية، والأدب الفلسطيني عموما، والغزي على نحو خاص.

ولا تغيب عنها كتب السياسة وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية والتنمية البشرية، في محاولة لصناعة مكتبة جامعة تخاطب مختلف القراء، وتخدم شرائح المجتمع كافة.

غير أن هذا التنوع لم يتشكل بسهولة، ففي مدينة ما زالت تحت وطأة الحرب، وصلت الكتب بتكلفة باهظة، وسط ارتفاع أسعارها وصعوبة الحصول عليها.

ومع ذلك، أسهمت مبادرات فردية وتبرعات قدمها مواطنون عن أرواح الشهداء في دعم تأسيس المكتبة، لتصبح العنقاء ثمرة جهد جماعي، يحمل في تفاصيله إصرارا واضحا على حماية المعرفة وسط هذا الخراب.

كتب انتُشِلت من تحت الركام

وفي إطار توسيع أثرها، جاءت فكرة الإعارة المجانية استجابة لواقع اقتصادي خانق يحدّ من قدرة كثيرين على الوصول إلى الكتب، ويقول حسام حمد: "نسعى لنكون معول بناء لأفراد المجتمع، ولو بقدر بسيط، عبر إتاحة المعرفة لمن يحتاجها ولا يجد سبيلا إليها".

وتضم المكتبة أيضا مجموعة لافتة من الكتب التي جرى إنقاذها من مكتبات مدمرة؛ علمية وتاريخية وثقافية، إلى جانب مجموعة خاصة بتاريخ غزة، من بينها مجموعة نادرة بعنوان "إتحاف الأعزة في تاريخ غزة"، وصلت إلى المكتبة تبرعا من عائلة أحد الشهداء، لتشكّل جزءا مهما من محاولة حفظ السردية التاريخية للمدينة.

ويؤكد القائمون على المكتبة أن الكتب التي وصلت مساهمات عن أرواح الشهداء شكلت دافعا أساسيا في إنشائها، وأسهمت في تمكينها من الاستمرار وتوسيع محتواها، في حين جرى توفير الجزء الآخر عبر اقتناء كتب بتكاليف مرتفعة، في ظل شح الموارد وارتفاع الأسعار خلال الحرب.

مصدر الصورة حسام حمد: افتتاح "العنقاء" حمل دلالة تتجاوز حدود المكان وعكس حضور فئة ما زالت تتمسك بالثقافة والمعرفة (الجزيرة)

القراءة حرية طال انتظارها

ومع افتتاحها، جذبت المكتبة روادا رأوا فيها أكثر من مكان للقراءة. تقول نبال أبو راس (21 عاما)، وهي مهندسة أنظمة حاسوب ومن أوائل رواد المكتبة، إن وجود هذا المكان في توقيت مثقل بكل هذا الخراب يفتح بابا على الأمل.

وترى أن المعرفة والكتابة "سلاح لا حدود له"، وأن الإنسان، ما إن يبدأ القراءة والكتابة، حتى يقترب من حرية طال انتظارها.

وتضيف أن ما يُسلب من الناس في الحرب كثير، غير أن الفكر يظل المساحة الأعمق التي تبقى عصية على المصادرة، وتحفظ للإنسان انتماءه ووعيه وصلته بنفسه.

إعلان

وبنبرة يختلط فيها اليقين بالتقدير، ترى نبال أن ظهور مكان كهذا في غزة ظل احتمالا حاضرا ما دام فيها أشخاص عامرون بالمعرفة والإرادة.

وتقول إن الأماكن لا تصنعها الجدران وحدها، وإنما يصنعها أيضا أشخاص يحملون في قلوبهم هذا القدر من المعنى، ويمنحون المعرفة مكانا تقيم فيه، ولو وسط الركام.

مصدر الصورة في زمن الحرب والجوع يجد الغزيون مساحة للقراءة (الجزيرة)

نافذة للاتصال بالعالم

وتستعيد نبال علاقتها بالكتب خلال الحرب بوصفها علاقة ازدادت عمقا وإلحاحا، فهي، كما تصف نفسها، محبة للمعرفة في أشكالها كلها؛ في المقاطع المصورة والمسموعة، وفي الكتب على وجه الخصوص.

وقد منحت الحرب كثيرين وقتا فائضا للقراءة، وزادت الحاجة الداخلية إلى المعرفة، في وقت صار الوصول فيه إلى النسخ الورقية أكثر مشقة، فازداد الشوق إلى الورق والحبر وملمس الصفحات.

ومن هنا، بدا لها وجود مكتبة مثل العنقاء تجربة مريحة على نحو خاص، لأنها تعيد للقراءة حضورها الحسي والوجداني معا.

وحين تتحدث نبال عن القراءة في زمن الحرب، ترى فيها أحيانا فسحة خفيفة، كرواية ترسم ابتسامة على الوجوه وسط أيام قاسية، وترى فيها أحيانا أخرى بابا يقود إلى وعي أعمق بالواقع، ومصدرا لمعرفة يحتاجها الناس في معركتهم اليومية من أجل الصمود والمحاولة. وفي الحالتين، تمنح القراءة شعورا ثمينا بالاتصال بالعالم، وهو شعور سعى كثيرون في غزة إلى التمسك به من أي منفذ ممكن.

مصدر الصورة القراءة ملاذ فلسطينيين هربا من الواقع ونهما للمعرفة (الجزيرة)

مساحة هادئة للقاء والقراءة

أما نيلوفر أبو راس (25 عاما) فتصف دخولها الأول إلى مكتبة العنقاء كما لو أنها تعبر من ضجيج الخارج إلى فسحة أكثر هدوءا واتساعا.

وتقول بلهجة يختلط فيها الاكتشاف بالدهشة: "ما كنت فاهمة فكرة المكتبة.. ما لقيناه كان أكبر بكثير من توقعاتنا".

وتتوقف عند لحظة خاصة بين الرفوف حين عثرت على رواية تحمل اسمها، قائلة بابتسامة خفيفة: "كان شعورا غريبا وجميلا في الوقت نفسه".

ومنذ تلك اللحظة، صار المكان بالنسبة لها مساحة ثابتة للقاء والقراءة، تصفه بأنه "مكان هادئ وراق" يجمع أشخاصا تتقاطع اهتماماتهم، ويمنحهم شعورا بالراحة والانتماء.

وتتحدث نيلوفر عن أثر القراءة عليها وسط ضغوط الحياة اليومية، فتقول: "أنا كشخص عليّ مسؤوليات كتيرة، مجرد ما أبدأ قراءة بنسى كل شيء تاني"، مشيرة إلى أن المكتبة منحتها فرصة حقيقية للعودة إلى هذا الشعور.

من داخل مكتبة العنقاء الواقعة على شارع عمر المختار في غزة

هروب إلى "العنقاء"

وترى الشابة الغزية أن دور "العنقاء" يتجاوز الثقافة إلى الجانب النفسي، في ظل ما يعيشه أهل غزة، مضيفة: "لما تضيع بين الكتب بتنسى كل شيء.. بترجع تتذكر حلاوة القراءة".

وفي حديثها عن القراءة في زمن الحرب، تقول نيلوفر إنها منحتها معنى وجوديا يتصل بالحياة نفسها، فبعد ما مرّ على الناس من مشقة الحركة تحت ضغط الجوع والظروف القاسية، تأتي القراءة لتعيد الإنسان إلى نفسه، وتذكره بأن المعرفة من أهم ما يعينه على النهوض وتطوير ذاته.

من وصية كُتبت لكتب تُركت تحت الخوف، إلى رفوف امتلأت من جديد، تمتد الحكاية كخيط رفيع بين الفقد والأمل، وفي كل كتاب تُفتح مساحة صغيرة تستعاد للوعي، ونافذة تُشرع للنجاة، وذاكرة تصر على البقاء، ففي غزة قد تضيق الحياة بكل ما فيها، لكن صفحة واحدة تكفي أحيانا لإبقاء الإنسان حيا.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار