في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن عنوان كتاب اللبناني باسل الأمين "لم نكن أحياء قط" الصادر عن منشورات مرفأ مؤخرا مجرد عنوان لكتاب، بل يرتقي إلى عبارة تختزل حياة اللبناني منذ عقود. فاللبناني في لبنان أو خارجه، في بيروت أو ضواحيها، في الشمال أو الجنوب، كان طوال الوقت مشروع موت إما بقذيفة أو بجواز سفر وتأشيرة ترحل به إلى المنفى. فاللبناني لا يهاجر بل يُنفى أو ينفي نفسه، لذلك يلوّح بذاته منذ القدم بعيدا محاولا استنبات نفسه من جديد في أرض لا تشبه أرضه.
بعد كتابيه الشعريين "في العشرين نتكلم كثيرا" و"ظل يظن نفسه شخصا" يتوغّل باسل الأمين في فن اليوميات مستجيبا للحظة الفارقة والخطرة التي كان يعيشها: الحرب على لبنان عام 2024، محاولا تحطيم ما يجري على ألسنة الجميع ومجترحا مقاربة جديدة للتفكير في الحرب.
لا يكتب باسل الأمين بعفوية كتّاب اليوميات عادة، إنما يكتب من رؤية واعية بمعنى الكتابة، ولذلك كان مدخله لوضع هذا الكتاب من قلب الحرب على لبنان عبارة الروائي التشيلي روبرتو بولانيو:
"فكّرت: كلا الفعلين مترابطان، الكتابة والتدمير، الاختباء واكتشافهم لي".
لينهض هذا التصدير ميثاقا لمشروعه السردي واليومياتي، فهناك طوال الوقت تلازم بين الكتابة والحرب التي أحال عليها بكلمة التدمير. والتدمير عند بولانيو كما عند باسل الأمين متعدد الأوجه كتعدد أوجه الحرب نفسها، فكما تعني الخراب والنهايات تعني عند آخرين البدايات والإعمار الصحيح. ومثلها مثل الكتابة، تحتاج لكي يتماسك بيانها إلى محو دائم مساير لها، ولذلك رُكّبت الممحاة على ظهر قلم الرصاص.
إن قراءة متن هذا الكتاب ونصوصه الشذرية والشعرية في ضوء هذا الوعي الفني ترفع المشروع اليومياتي لباسل الأمين إلى مرتبة المشروع الأدبي وتخرجه من خانة اليوميات التسجيلية. فالخطر الذي يدفع كُتّاب اليوميات لتسجيل يومياتهم في مقاومة أخيرة لواقع المحو والتغييب ليس سوى عنصر من عناصر الكتابة وعللها في "لم نكن أحياء قط"، هذا العنوان الذي يذكّر بأنه لا مفاجأة جديدة مع حدوث حرب في لبنان، فطوال الوقت هناك حرب، أو حرب تطل برأسها، أو هناك خروج من حرب في انتظار حرب جديدة.
يكشف باسل الأمين منذ يوميته الأولى بتاريخ "الأربعاء 18 سبتمبر/أيلول 2024" أنه بصدد التفكير في الحرب لا تسجيلها، فالعالم كله كان يتابع الحرب على لبنان وحتى مراسلو القنوات الفضائية صاروا زوائد فكل عين حية إلى حين كانت توثق وتنقل ما يحدث، لكن ما هو غائب هو التفكير فيما بعد الصورة وما بعد الحرب، في تلك المخلفات النفسية والإنسانية التي تنسى وتهمل بعد ذلك لتتراكم في الظلمة والهامش. ذلك هو مجال الكتابة كما يراها باسل الأمين. يقول:
"عندما أفكّر في الحرب، لا أفكّر فيها الآن. أفكّر فيها بعد نهايتها، في الحياة القادمة من بعدها، وفي اليوم الطبيعي الذي سنعيشه غدا بغرابة مفرطة"
تختصر هذه اليومية الافتتاحية هاجس الكاتب وهو بذلك يدفع بنصه ليكون نصا ضديدا في الظاهر لسياسة كتابة اليوميات وتاريخها بما هي كتابة الأنا والآن، وانحسار مجالها في مطاردة الواقعة والحدث وتثبيته عبر التسجيل لتصبح اليوميات بحثا في المستقبل ضاربة عرض الحائط بكل منظّريها وواضعي قواعدها.
الحق أنه لا تناقض في أصل هذا الفن ومداورته المعاصرة، إنما الكتابات الإبداعية الجديدة فيه والتي يقودها الفنانون والأدباء تفتح نوافذ أخرى لهذا الفن لكي يتوغّل في الأزمنة عبر ما سميته، سابقا، بتوسيع مفهوم الواقعة، فالحدث ليس بالضرورة حدثا خارجيا يمكن أن نشترك في إدراكه ومعرفته، فيسهل نقله عبر التسجيل، أما الحدث النفسي أو الذهني فيحتاج ملكة أخرى غير الحواس لتدركه وتوثقه، ووسيلة ذلك التفكير والتخييل. وعملية التفكير في الحدث نفسها تنقلب إلى حدث يحدث للذات الكاتبة التي تفكر في واقعة حدثت للآخر.
خلافا للنظرة السطحية للموت باعتباره خطرا خارجيا في الحرب، ينهض الموت في يوميات باسل الأمين موتا قادما من الداخل، من طبقات الوعي وثنايا الإدراك، قد تدعمه تلك الأجزاء الطائرة من الأجساد البشرية وميكانيزمات الفقد لكنه يظل موتا شقيا تربّى في داخل الإنسان اللبناني حتى صارت عملية إدراكه للعالم والوجود رهينة الاعتراف بهذا الموت كواقعة إنسانية راهنة وسرمدية في آن. يختصر الكاتب كل هذا في سطرين هما كل يوميته بتاريخ 28 يوليو/تموز 2024:
"يجب أن يكون العالم مجنونا، لكي يتقبل حقيقة الإنسان، ويجب أن يكون الإنسان ميتا، لكي يدرك حقيقة هذا العالم"
إن هذا التلازم بين الجنون والحقيقة والموت والإدراك يخلق ثنائيات جديدة يفلسف بها الكاتب الوجود، فاللبناني يدلل على وجوده عندما يموت والحقيقة لا تطل برأسها إلا في لحظة جنون.
هكذا يرحل الكاتب باليوميات إلى منطقة شائكة ومعقدة من الذات، هي منطقتها الأكثر ظلمة والأكثر يأسا، هي لحظتها العدمية الخالصة ولحظتها العبثية المحض.
قديما قال لي أمجد ناصر: إن محمود درويش تخبأ وراء كلمة يوميات في كتابه "أثر الفراشة" حتى لا يعترف أنه، أخيرا، كتب قصيدة النثر، تلك القصيدة التي كان ضدها دون عداوة طوال حياته، وباسل الأمين في هذه اليوميات يعمل ممحاته في الجملة أكثر من إعماله القلم حتى تكاد تشفّ الفقرة النثرية عن قصيدة ممددة تحت ذلك التاريخ اليومي لتسمي نفسها يوميات.
والشعر لم يكن يوما بعيدا عن فن اليوميات، فالشاعر البولندي فيتولد غومبروفيتش كتب يومياته في شكل شعر وقدم للمكتبة العالمية درسا أدبيا فيما يمكن أن يفعله الشعر بنوع فني مهمل، نوع يقف على أعتاب بوابات الأجناس الأدبية الكبرى متسللا مرة ومعترفا به ومطرودا مرة أخرى وقد أنكروا حقه في انتزاع مكان بينها.
يخطو باسل الأمين نحو الشعر في يومياته تدريجيا، فيبدأ بتجويد العبارة وتحريرها من التسجيلية والوصف ثم يعمّق حضور الاستعارة والمجاز في يومياته النثرية الأولى قبل أن تستوي اليومية قصيدة بائنة شكلا ومتنا في 29 سبتمبر/أيلول 2024. ذلك اليوم الذي يدون فيه يومية على جزأين، وكلما عاد إلى التدوين حمل معه الشعر فيسجل في الجزء الثاني من النهار.
لا يمكنك أن تقلق بشأن صوت العصفور
كما يحدث عند سماعك صوت الحرب
صدقني
في بلادي يمكنك سماع كليهما
صوت الطائرة.. وصوت الطائر
تتحول تيمة الموت المخيمة على اليوميات عند باسل الأمين إلى غنيمة أدبية يجرب عليها الكاتب أنماطا مختلفة من الخطاب الشعري والنثري، والسردي والمكثف الشذري والاستعاري والواقعي ليؤكد مفهومه الذي وضعه كميثاق في بداية اليوميات بأن الوجود برمته يبقى رهين الموت لكي يوجد، وكأنه بهذا يقحم الأدب أيضا بكل ألوانه في سلالة الموت والحرب، فتتوقف كلمة حرب بين لحظة وأخرى عن التعبير عن نفسها بما تراكم عنها من مدلولات لنصبح أمام غزل خفي وشفيف بها.
ولنتذكر ما كتبه عنها ديستويفسكي في يومياته تحت عنوان "المفارقاتي" عندما توسل بالخطاب الجدلي ليقدم لنا الحرب كسِرّ للوجود والتقدم والفن والأدب والعلوم فهي سر حياة الشعوب والدليل على وجودها الحي فلا شيء يحدث خارج الحرب عنده. يكتب باسل الأمين في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2024:
"سنتعلم أن اللغة مدوية كالمدافع، وأننا لن ننتصر أبدا إن لم نكن نملك الكلمات المناسبة للتعبير عن الهزيمة".
إن باسل الأمين في فلسفته في الحرب يصل إلى اللحظة الديستويفسكية عندما يعلن في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2024 عن حبه للخراب. فالخراب في مفهومه معادل للنهايات وللأبواب المفتوحة التي يدخلها لبنان كل مرة لكي يتجدد في مقابل تلك البلدان التي تتعفن في استقرارها وجمودها، وهو بذلك يستدعي أيضا حركة الفشل عامة وتلك النظرة التي تقول إن الثورات وجدت لتفشل ولكنها وجدت لتعلن أن تلك الشعوب ما زالت حية وتقول "لا" لأنظمة الاستبداد وهذا سر وجودها بينما الشعوب التي تخاف أن تثور لأنها قد تفشل شعوب ميتة.
يصل النفس التأملي بالكاتب في تقليبه لواقع الحرب إلى مرحلة تنظيرية حيث يستدعي الخطاب الفكري في اليوميات اجتراح المفاهيم الجديدة لفهم اللحظة الراهنة التي تسمى حربا ويُسمّى من فيها وتحتها ضحايا، كأنما بالكاتب يستقطر الحوادث والضحايا وأشكال الفقدان ليخرج منها حبرا جديدا يكتب به أفكارا جديدة تتجاوز فكرة الإدانة والشجب، فالحرب التي تقطف من الأفراد بعض أعضائهم، وفق مزاجها أو ربما ترتيبها لتخلق منهم كائنات جديدة تكمل حياتها وفق ذلك النحت الجديد لأجسادها، تنتج أيضا بالتوازي لغة جديدة وأفكارا جديدة وتأويلات جديدة لوجودها.
يخطو باسل الأمين نحو الشعر في يومياته تدريجيا، فيبدأ بتجويد العبارة وتحريرها من التسجيلية والوصف ثم يعمق حضور الاستعارة والمجاز في يومياته النثرية الأولى قبل أن تستوي اليومية قصيدة بائنة شكلا ومتنا في التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2024. ذلك اليوم الذي يدون فيه يومية على جزأين، وكلما عاد إلى التدوين حمل معه الشعر فيسجل في الجزء الثاني من النهار.
لا يمكنك أن تقلق بشأن صوت العصفور
كما يحدث عند سماعك صوت الحرب
صدقني
في بلادي يمكنك سماع كليهما
صوت الطائرة.. وصوت الطائر
تتحول تيمة الموت المخيمة على اليوميات عند باسل الأمين إلى غنيمة أدبية يجرب عليها الكاتب أنماطا مختلفة من الخطاب الشعري والنثري، والسردي والمكثف الشذري والاستعاري والواقعي ليؤكد على مفهومه الذي وضعه كميثاق في بداية اليوميات بأن الوجود برمته يبقى رهين الموت لكي يوجد، ليقدم لنا الحرب كسر للوجود والتقدم والفن والأدب والعلوم فهي سر حياة الشعوب والدليل على وجودها الحي فلا شيء يحدث خارج الحرب عنده.
يكتب باسل الأمين في اليوم الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2024: "لا أحد يريد أن يقرأ عن أحزانك وهو يبحث عن كل أسباب السعادة. الحرب تولّد المعنى، وتخرج المكبوت العاطفي إلى السطح، أما السلم فهو محاولة كبت يومية لجميع التناقضات… غدا سنعود إلى قرانا مع ذاكرة محملة بالأشلاء والدماء، وسنتعلم أن اللغة مدوية كالمدافع، وأننا لن ننتصر أبدا إن لم نكن نملك الكلمات المناسبة للتعبير عن الهزيمة".
إن باسل الأمين في فلسفته في الحرب يصل إلى اللحظة الديستويفسكية عندما يعلن في اليوم السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2024 عن حبه للخراب. فالخراب في مفهومه معادل للنهايات وللأبواب المفتوحة التي يدخلها لبنان كل مرة لكي يتجدد في مقابل تلك البلدان التي تتعفن في استقرارها وجمودها، وهو بذلك يستدعي أيضا حركة الفشل عامة وتلك النظرة التي تقول إن الثورات وجدت لتفشل ولكنها وجدت لتعلن عن أن تلك الشعوب ما زالت حية وتقول "لا" لأنظمة الاستبداد وهذا سر وجودها بينما الشعوب التي تخاف أن تثور لأنها قد تفشل شعوب ميتة.
يكتب بتاريخ السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2024: أحب الخراب، وأندفع إليه كأنه نفسي. أحب ما لا يكترث به الآخرون، ما يُنظر إليه على أنه نهاية أكيدة وشط لا ريب فيه. هذه البلاد تسحرني بنهاياتها، بقدرتها على تدمير ذاتها خوفا من وطأة واقع فاقد لمعناه"
لم يعد الموت عند باسل الأمين حادثة تعني الإنسان بل وجودا يلتهم كل شيء: العواطف والأحاسيس والأفكار واللغة والمكان والذاكرة، حتى تلك الأمكنة المتوغلة في الزمان. فيفتتح باسل الأمين يومية التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول بقوله: "مات البيت أقولها وفي قلبي حزن كل العالم. بيت جدي، بيتنا، كل شيء سُوي بالأرض. البيت الذي يجاور مقبرة، أصبح الآن مقبرة كبيرة".
يضيف باسل الأمين بهذا العمل كتابا لمكتبة فن اليوميات العربية ويضيف يوميات جديدة لحرب جديدة على لبنان لينشر الكتاب في أول أيام الحرب الموالية، حتى تؤكد الحرب كل ما قاله عنها باسل الأمين. إنه يكتب الرعب الذي يحدثه فينا الوعي بما وراء الحرب وما وراء اللغة، فعندما تنفلت اللغة منا تجعلنا نعيد تشكيل إدراكنا بحدودنا لنكتشف أننا أخطأنا المقاييس فحدودنا ليست أطرافنا بل عمقنا الداخلي الذي لم نهرع إليه يوما بل ظللنا نهرب منه كما تهرب منا اللغة فـ"يا له من رعب أن تترك كلماتك حرة من غير أن تتمكن من اللحاق بها لإسكاتها".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة