تتشابه العادات والتقاليد الرمضانية في مملكة البحرين كثيرا مع غيرها في باقي دول الخليج، غير أنه في البحرين تحتفظ هذه العادات بخصوصية واضحة تعكس عمق الموروث الشعبي وتمازج الشعائر الدينية مع التقاليد الاجتماعية المتوارثة.
تبرز روح الأسرة بوضوح مع اجتماع الأهل حول مائدة الإفطار، حيث يلتقي الأجداد بالأبناء والأحفاد في صورة من التراحم والتواصل، مع حضور الأطباق الشعبية والحلويات التراثية التي تعكس التنوع المجتمعي.
وتتجدد عادة "النقصة" في الأيام الأولى من الشهر، وهي عبارة عن تبادل الجيران لأطباق الطعام تعبيرًا عن المودة وصلة الرحم، في صورة تعكس روح التكافل الاجتماعي المتجذرة في المجتمع البحريني.
الغبقة لم تعد مجرد لقاء للأصدقاء، بل تحولت إلى مناسبة تتسابق عليها المؤسسات لتعزيز العلاقات العامة وبناء جسور التواصل
وتكتمل الأجواء الرمضانية بالمجالس التي تفتح أبوابها لاستقبال المهنئين، وبصلوات التراويح والقيام والاعتكاف التي تشهد حضورًا لافتًا، لتؤكد أن رمضان في البحرين ليس مجرد موسم عابر، بل تجربة اجتماعية وروحية متكاملة تتجدد كل عام بروح الأصالة والانتماء.
في العاصمة المنامة، يقول محمد الساعي للجزيرة نت إن العادات والتقاليد في المجتمع البحريني خلال رمضان تتشابه إلى حدٍّ كبير مع نظيراتها في المجتمعات الخليجية، سواء في المظاهر الاجتماعية أو الروح الدينية الجامعة، غير أن لكل مجتمع بصمته الخاصة التي تمنحه نكهته المتفردة وتُبقي على خصوصيته الثقافية.
ومن أبرز وأقدم العادات الرمضانية في البحرين "الغبقة"، التي تُعد من أهم الطقوس الاجتماعية وأكثرها حضورًا، وهي في أصلها تجمع عائلي أو لقاء بين الأصدقاء يُقام في الفترة المسائية بعد صلاة التراويح وحتى منتصف الليل، حيث تُقدَّم الأطباق الشعبية البحرينية مثل الهريس والثريد وغيرها من الأكلات التراثية.
عادة ‘النقصة’ وتوزيع الأطعمة عبر الأطفال تعكس روح التكافل والمودة التي يعتز بها المجتمع البحريني منذ مئات السنين
ويشير الساعي إلى أن الغبقة لم تعد مقتصرة على نطاق الأسرة أو الأصدقاء فحسب، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مناسبة تتسابق على تنظيمها الشركات والمؤسسات وحتى الوزارات، في إطار تعزيز العلاقات العامة وبناء جسور التواصل بين الموظفين والشركاء، ما أضفى عليها بُعدًا مؤسسيًا إلى جانب بعدها الاجتماعي التقليدي.
وفي خط موازٍ، تبرز المجالس الرمضانية التي يمكن اعتبارها في الغالب ملتقى لطبقة الصفوة والمثقفين، حسب الساعي، إذ تشبه إلى حد كبير منتديات فكرية تُطرح فيها القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويجتمع في هذه المجالس مثقفون وأكاديميون ومسؤولون، لتبادل الآراء وقراءة المشهد المحلي والإقليمي في أجواء يغلب عليها الطابع الودي والروح الرمضانية.
ومن العادات التي ما زال المجتمع البحريني متمسكًا بها "القرقاعون"، وهي مناسبة شعبية تُحتفل بها في ليلة الخامس عشر من رمضان، حيث يرتدي الأطفال الملابس الشعبية ويتجولون في الأحياء مرددين الأناشيد الفلكلورية، فيما يحرص الآباء على تجهيز أكياس الحلويات والهدايا التي تُوزَّع عليهم.
ويصف الساعي القرقاعون بأنه أحد أكثر المشاهد بهجة في رمضان، إذ يُعيد إحياء روح الحيّ الواحد ويمنح الأطفال مساحة للفرح والاحتفاء بالتراث، في مشهد تتداخل فيه البراءة مع الأصالة الشعبية.
ويقول الساعي: يضاف إلى ما سبق تقليد "مدفع الإفطار"، الذي يعلن موعد المغرب في مشهد رمزي يربط الحاضر بالماضي، إلى جانب ما يُعرف بالختمات الجماعية، وهي تجمعات لقراءة القرآن الكريم في المساجد أو البيوت، حيث يتناوب المشاركون على تلاوة الأجزاء حتى إتمام المصحف.
كما يحرص الكثيرون على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، طلبًا لليلة القدر، في مشهد يعكس ذروة الروحانية التي يبلغها المجتمع البحريني في هذا الشهر.
وفي منطقة النعيم بالعاصمة البحرينية، يقول محمود النشيط للجزيرة نت إن شهر رمضان في البحرين يمتاز بخصوصية واضحة تجعله مميزا عن باقي الدول، ومنها على سبيل المثال كثرة انتشار مجالس القرآن في المنازل حيث يوجد في منطقة النعيم والمنامة أكثر من 100 مجلس، وفي منطقة مثل "سار" في المحافظة الشمالية غرب العاصمة المنامة وحدها يوجد أكثر من 90 مجلسا.
وتفتح كثير من البيوت في القرى والمدن مجالسها لاستقبال المهنئين بالشهر الفضيل وفي هذه المجالس يُتلى القرآن الكريم، فمنهم من يستمع، ومنهم من يقرأ، بل إن هناك من يصحح للقراء إذا أخطأوا، وهي ميزة قد لا نجدها بهذا الاتساع في مجتمعات أخرى، لكنها راسخة في البحرين منذ سنوات طويلة.
وأضاف النشيط أن رواد هذه المجالس من مختلف الأعمار، أطفال وشباب وشيوخ وكبار، ما يجعلها مساحة جامعة تقرّب الناس إلى كتاب الله وروحانية الشهر الكريم، مشيرا إلى أن هذه المجالس، بعد الانتهاء من التلاوة، تتحول إلى ديوانيات ومنابر مفتوحة لطرح القضايا الاجتماعية والثقافية والفكرية، بل وحتى الطبية والفنية.
وهذه المجالس ليست حكرًا على فئة معينة، إذ تستقبل أحيانًا دبلوماسيين غير مسلمين يتعرفون من خلالها على العادات والتقاليد والموروث الشعبي في مملكة البحرين، وقد أسهمت عبر الأجيال في ترسيخ الهوية والحفاظ على الموروث، إلى جانب الخيم الرمضانية التي تنتشر في بعض الطرقات أو تقيمها الفنادق، ولكل منها جمهورها الخاص.
وأوضح النشيط أن من العادات المتجذرة قبل الإفطار توزيع الأطعمة بين البيوت، وغالبًا ما يقوم الأطفال بنقلها من منزل إلى آخر، في مشهد يعكس روح التكافل والمودة التي يعتز بها المجتمع البحريني منذ مئات السنين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة