آخر الأخبار

الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

حين يذكر جيل الرواد في التلاوة السعودية، وحين يُستعاد صوت الحجاز بنبرته الخاصة التي تمتزج فيها العذوبة بالوقار، يبرز اسم عباس مقادمي بوصفه أحد أعمدة المدرسة الحجازية، وشيخ القرّاء الحجازيين، وعميد القرّاء السعوديين الذين أسهموا في تشكيل الوجدان السمعي لأجيال كاملة داخل المملكة وخارجها.

لم يكن مقادمي مجرد قارئ متقن لأحكام التلاوة، بل كان مدرسة قائمة بذاتها؛ صوته لم يُسمَع فحسب، بل عُرف وحُفظ وارتبط بمواسم الخير، حتى صار جزءًا من الطقوس الرمضانية في مدن الحجاز، ثم في عموم المملكة، فقد كان حضوره الصوتي يتجاوز حدود المسجد إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع، حيث شكّل مع الزمن ذاكرة جماعية تستعاد كلما أقبل الشهر الكريم.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 موائد الإفطار تجمع السعوديين.. رمضان من تبوك لجدة بروح واحدة
* list 2 of 2 من التراويح إلى التهجد.. كيف تصنع مساجد السعودية حياة رمضان الليلية؟ end of list

وُلد الشيخ عباس مقادمي عام 1920 في بيئة حجازية عريقة، امتزجت فيها حلقات التحفيظ بروح المقامات الحجازية المميزة، ونشأ في زمن كانت فيه التلاوة تُؤخذ مشافهة، وتُصقل بالملازمة الطويلة، وتُحفظ كما يُحفظ الإرث الثمين.

حفظ القرآن صغيرًا، وتلقّى علومه على أيدي كبار مشايخ الحجاز، فجمع بين متانة الأداء، وإتقان المخارج، والالتزام الصارم بأصول المدرسة الحجازية التي تتميّز بالوقار والهدوء والتدرّج المقامي الرصين.

شيخ القراء

مع مرور السنوات، أصبح صوته حاضرًا في المساجد الكبرى، وفي المناسبات الدينية، وعبر الإذاعات المحلية التي أسهمت في انتشار تلاوته على نطاق أوسع، ولم يأتِ لقب "شيخ القرّاء الحجازيين" من فراغ، بل كان تقديرًا لريادته وعمق تأثيره ودوره في تخريج أجيال من القرّاء الذين حملوا بصمته الصوتية وأسلوبه المنضبط.

تميّزت تلاوته بنبرة حجازية واضحة، فيها شجن رقيق بلا مبالغة، وامتداد صوتي متزن لا يميل إلى الاستعراض، فقد كان يبني الآية بتدرّج محسوب، وصعود هادئ، ثم استقرار مطمئن، كما لم يعتمد على كثرة التنويع المقامي بقدر ما ركّز على وضوح الحرف، وإيصال المعنى، وإحاطة النص القرآني بهالة من الوقار، لذلك بدت تلاوته صالحة لأن تُسمَع في المسجد وفي البيت وفي المجالس، دون أن تفقد أثرها الروحي.

إعلان

ليالي رمضان

في ليالي رمضان، كانت مساجد مكة وجدة والمدينة تشهد حضورًا لافتًا لصوته، وكان المصلّون يدركون أن قيام الليل سيكون مختلفًا حين يتقدّم الشيخ إلى المحراب بهدوء يسبق التلاوة، ثم تنساب الآيات بطمأنينة، فتخفت الأنفاس ويعلو الخشوع.

يروي كثيرون ممن عاصروا تلك السنوات كيف كان صوته يملأ أحياءً كاملة عبر مكبرات الصوت، وكيف كان الأطفال ينصتون من نوافذ البيوت إلى تلاوته في صلاة التراويح، فلم يكن مجرد إمام مسجد، بل كان صوت الحيّ في رمضان،

ومع انتشار أجهزة الراديو ثم أشرطة الكاسيت، دخلت تسجيلاته إلى البيوت الحجازية، ثم إلى بيوت المملكة عمومًا، فتعزز حضوره بوصفه رفيق الشهر الكريم.

قبيل أذان المغرب، اعتادت بعض الأسر تشغيل تسجيلاته تمهيدًا للحظة الإفطار، وكأن صوته يخلق حالة من السكينة ويخفّف وطأة العطش، وفي ساعات السحور، كانت التلاوات تُعاد، فينساب صوته في البيوت الهادئة كأنه رفيق الليل الأخير، ومع تكرار هذا المشهد عامًا بعد عام، ارتبط صوته زمنيًا بالشهر الفضيل، فإذا سُمع، حضر رمضان في الذاكرة قبل أن يُرى في التقويم.

ذاكرة لا تُمحى

تحوّل صوت عباس مقادمي إلى علامة مميزة لرمضان في الحجاز، فهو الصوت الذي سمعه الآباء في شبابهم، ثم سمعه الأبناء وهم يكبرون، ثم صار جزءًا من حكايات العائلة، ولم يتكوّن هذا الأثر الوجداني في سنوات قليلة، بل عبر تكرار موسمي طويل ارتبط بمشاعر جماعية مثل أول صيام، وأول ختمة للقرآن، وأول دعاء في العشر الأواخر.

ولم يكن الشيخ مقادمي قارئًا فحسب، بل كان مربّيًا ومعلّمًا حيث تخرّج على يديه عدد من القرّاء السعوديين الذين نقلوا روح المدرسة الحجازية إلى أجيال لاحقة، كما كان يؤكد دائمًا أن الصوت خادمٌ للمعنى، وأن جمال الأداء لا يكتمل إلا باحترام النص القرآني والانضباط لأحكامه، وبهذا النهج، رسّخ تقاليد تلاوية أسهمت في تشكيل الهوية السمعية السعودية في النصف الثاني من القرن العشرين.

حضور لا يغيب

توفي الشيخ مقادمي عام 1990، لكن حضوره لم ينقطع بل ظل صوته حيًا في التسجيلات، وفي ذاكرة المصلين، وفي مسيرة القرّاء السعوديين الذين يرون فيه أحد أعمدة جيل الرواد، فلم يكن أثره نابعًا من إتقان التلاوة فحسب، بل من كونه جسّد مرحلة كاملة من تاريخها وهي مرحلة امتزج فيها الصفاء الصوتي بروح المكان، وبساطة الأداء بعمق التأثير.

وهكذا تحوّل مقادمي من قارئ في محراب إلى رمز في الذاكرة، ومن صوت يُسمَع إلى علامة زمنية تعلن قدوم رمضان، وفي كل عام، حين يعلو صوته مجددًا عبر تسجيل قديم، يشعر من عرفه أو سمعه أن الشهر الكريم عاد، ومعه شيء من الماضي الجميل وهو صوت شيخ القرّاء الحجازيين، وعميد القرّاء السعوديين عباس مقادمي رحمه الله.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار