آخر الأخبار

رواية "مقاتل غير شرعي".. شهادة من جحيم معتقل سدي تيمان الإسرائيلي

شارك

غزة – لم يكن الكاتب سعيد أبو غزة، عضو الاتحاد الفلسطيني للكتاب والأدباء، مجرد راو يتأمل تجربة الاعتقال من بعيد، بل كان واحدا ممن عبروا بواباتها الثقيلة، وعرفوا يقينا معنى أن يتحول الزمن إلى عبء والهواء إلى سؤال معلق.

دخل الزنازين من قلب الحكاية؛ عاش تفاصيل الأيام التي لا يراها أحد، واكتشف أن المعتقل لا يقاس بالتقويم، بل بعدد الأشياء التي تنتزع من الإنسان بصمت: الوقت، الصوت، المعنى، والإحساس بأن العالم ما زال طبيعيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 40 عاما في خدمة الشعر.. امرأة حولت مترو لندن لأكبر ديوان بالعالم
* list 2 of 2 الروائي التشادي نجيكيري: التاريخ بوصلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل end of list

خرج أبو غزة من تلك التجربة يحمل أصوات الذين بقوا خلف الأسوار، وذاكرة الذين لم تتح لهم فرصة الكلام، ليكتب عن المعتقلين كبشر يحملون في صدورهم وطنا مصغرا، وقصصا أكبر من ضيق الزنزانة.

العائدون من الجحيم

في حديثه لـ"الجزيرة نت"، يصف أبو غزة روايته بأنها شهادة أدبية توثق حكايا "العائدين من الموت" في معتقل "سدي تيمان" الإسرائيلي.

الرواية ليست مجرد سرد عابر، بل وثيقة تُدون كيف يُستهدف المدنيون في غزة تحت توصيفات زائفة، وكيف يُسحق الإنسان داخل منظومة تعذيب لا تُطاق، حيث تكشف فصولا من جحيم يعجز العقل عن تخيله في صراع بين جنون الجلاد ولفظ الأنفاس الأخيرة.

تسلط الرواية الضوء على معاناة المدنيين الذين لم تميز آلة الاعتقال بين مهنهم أو أعمارهم؛ فمن البيوت وأماكن العمل، يُساقون إلى مراكز تحقيق ميدانية قاسية داخل القطاع، قبل أن يُرحّلوا إلى "سدي تيمان" العسكري.

هذا المعتقل، الذي يصفه الكاتب بالمنشأة السرية الغائبة عن أي رقابة دولية، يُطبق فيه قانون عسكري يُسمى "مقاتل غير شرعي"؛ وهو الغطاء القانوني الذي تُرتكب تحت ظله أبشع صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، والتي تصل في حالات كثيرة إلى بتر الأعضاء أو الموت.

تهمة جاهزة

تبرز الرواية قصة مسعف شاب من غزة، كان يلاحق الحياة بين الركام ويعمل بلا توقف تحت القصف. غير أن مهمته الإنسانية السامية تحولت إلى "تهمة" حين اعتُقل وهو يمارس مهنته، ليجد نفسه في مركز تحقيق ميداني يواجه اتهامات بالانتماء للمقاومة، رغم إصراره على حقيقة وحيدة: "أنا مسعف.. مهمتي إنقاذ الأرواح".

إعلان

ينتقل المسعف إلى عالم "سدي تيمان" الموحش، حيث لا فوارق بين الحقيقة والاتهام، ويمضي أياما قاسية بين الجحيم والعزلة، متمسكا بهويته الإنسانية ورافضا التحول إلى القوالب التي يريد الجلاد صبه فيها.

ويصف أبو غزة معتقل "سدي تيمان" سيئ السمعة في روايته بقوله: "بعد إقرار قانون "المقاتلين غير الشرعيين" من قبل الكنيست في ديسمبر/كانون الأول 2023، بدأت قاعدة "سدي تيمان" تتحول تدريجيا إلى معسكر اعتقال يفوق كل توقعات القسوة.

الأصوات التي تنبعث من تلك الزنازين القديمة تختلط مع صرخات المعتقلين وأزيز الجنود الذين يسيطرون على المكان بلا رحمة.

مصدر الصورة فلسطينيون في حالة ضعف وآثار ندوب على أجسادهم بعد إطلاق سراحهم (غيتي إيميجز)

المُعتقل السادي، صار الآن مركزا عسكريا للتحقيق مع المعتقلين "الغزاويين"، تملأه الوحشية وغياب الرقابة القانونية والقضائية مما يجعل التعذيب مباحا لأقصى حد، المعتقل أصبح الآن فوهة جحيم لمئات الأرواح التي تقبع خلف الأسوار، حيث تُنتهك حقوق الإنسان على مرأى ومسمع الجميع".

الصمود كفعل أخلاقيا

يرى الناقد الأدبي محمود المسلمي أن "مقاتل غير شرعي" عمل سردي ينحاز للإنسان، كشاهد حي على لحظة يتحول فيها القانون إلى أداة قمع. الرواية في نظره تكسر التقسيم التقليدي بين "المقاتل" و"المدني"، وتكشف عبثية هذا التصنيف حين يُستخدم لتبرير العنف.

وتطرح الرواية سؤالا جوهريا: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته داخل فضاء صُمّم لنزعها؟ ليصبح الصمود هنا فعلا أخلاقيا هادئا يقوم على التمسك بالضمير.

ويوضح المسلمي للجزيرة نت أن فكرة الرواية تتجاوز حدود التوثيق إلى طرح سؤالها الجوهري: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته داخل فضاء صُمّم لنزعها؟ هنا يتحول الصمود إلى فعل أخلاقي هادئ، يقوم على التمسك بالهوية المهنية والضمير في مواجهة منظومة القمع.

وتعتمد وصفا مكثفا وحسيا، قائما على تفاصيل دقيقة تكشف عنف المكان دون مبالغة.

يقول المسلمي: "في محصلتها، تقدم الرواية سردا موجعا ومتوازنا لتجربة الاعتقال في معتقل سدي تيمان، يجمع بين التوثيق الأدبي والرؤية الإنسانية، ويؤكد قدرتها على أن تكون شهادة أخلاقية بقدر ما هي عمل فني".

من جهتها، تؤكد الأكاديمية والناقدة ميسون الشنباري أن الرواية تمثل ضرورة وجودية في سياق غزة، حيث لم تعد الكتابة فعلا جماليا بل أداة لترميم الذاكرة الوطنية.

فمنذ العتبة النصية، يواجه القارئ واقعا صادما يجمع بين الجحيم والموت، لتتجاوز الرواية حدود السرد وتصبح فعلا من أفعال المقاومة الرمزية، وصوتا إنسانيا يعلن انتصار إرادة الحياة على القهر.

إنها في المحصلة صرخة كرامة، يجمع فيها سعيد أبو غزة بين التوثيق الأدبي والرؤية الإنسانية، ليؤكد أن الكلمة هي الأداة الأخيرة للمواجهة في زمن الإبادة

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار