آخر الأخبار

مسار ثقافي وسياحي.. إحياء رحلة غوته التاريخية إلى إيطاليا

شارك
رحلة غوته القصيرة إلى إيطاليا تحولت إلى إقامة طويلة أحيت روحه وعرف الحب الحسي الجسدي لأول مرةصورة من: akg-images/picture alliance

في القرن الثامن عشر، لم تكن السياحة في أوروبا منتشرة بالشكل الذي نعرفه اليوم. وكان السفر خطرا حقيقيا؛ فقطاع الطرق كانوا منتشرين ويشكلون تهديدا دائما للمسافرين، والطرقات نفسها لم تكن أقل خطرا، وكانت سيئة وتتحول إلى مسارات موحلة عند هطول المطر وتتسبب في حوادث كتحطم العربات وانكسار محاورها.

والسفر إلى خارج البلاد فكان أكثر صعوبة، إذ إن إتقان اللغات الأجنبية كان أمرا نادرا. وبطء التنقل جعل الرحلات طويلة ومرهقة وباهظة التكاليف، لذا بقي السفر حكرا على الأثرياء وأبنائهم للتعلم في دول أخرى، وعلى التجار بدافع التجارة.

الهروب من فايمار بحثا عن الذات

في ظل تلك الظروف والواقع الصعب، جاءت رحلة الكاتب والشاعر الألماني الكبير المعروف يوهان فولفغانع فون غوته إلى إيطاليا في تلك الفترة استثنائية بكل المقاييس. فقد شعر بأن عمله كوزير في فايمار خنق إبداعه الأدبي وشكل عائقا له، فكان بحاجة إلى قطيعة حادة مع حياته اليومية، وتحول جذري في المكان والروح. ومنذ طفولته، كانت إيطاليا الكلاسيكية، حلمه الكبير. هناك فقط، كان يأمل أن يولد فنيا وأدبيا من جديد .

أستعد وأعد غوته رحلته في صمت مطلق. لا وداع، ولا إعلان. في الثالث من سبتمبر/ أيلول عام 1786، عند الثالثة فجرا، غادر بعربة البريد مستخدما اسما مستعارا، كي لا يتعرف عليه أحد. أراد أن يعيش في إيطاليا ويستكشفها بحرية كاملة، بلا التزامات اجتماعية أو تفسير لأحد. لأشهر طويلة، لم يعرف أحد مكانه، لا والدته ولا أقرب أصدقائه.

في فيرونا، وقف غوته للمرة الأولى أمام مَعلم روماني قديم: المدرّج الشهير. كانت لحظة سعادة خالصة. أما في روما ، فشعر فورا وكأنه عاد إلى وطنه الحقيقي ولم ينتمِ يوما إلى مكان آخر.

كان غوته مفتوتا بإيطاليا وتاريخها وثقافتها وخاصة الكلاسيكية ويتوق لزيارتها منذ شبابه المبكر صورة من: picture-alliance/akg-images

من رحلة قصيرة إلى إقامة طويلة

ما كان مخططا له ليكون إقامة قصيرة امتد ليقارب العامين (من 3 أيلول/ سبتمبر 1786 إلى 18 يونيو/ حزيران 1788). ولم تعد الرحلة مجرد تنقل بين المدن، بل تحولت إلى حياة كاملة في إيطاليا . ومع مرور الوقت، أصبح غوته أكثر هدوء وانفتاحا على تفاصيل الحياة اليومية. وهناك حدث التحوّل الأكبر: الكاتب الذي كتب عشرات قصائد الحب، اكتشف الحب الحسّي الجسدي لأول مرة بعمق، وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

خلال تلك الفترة، رسم غوته بلا توقف، وعاد إلى فايمار بنحو ألف رسم ولوحة مائية. كما استعاد شغفه بالكتابة والإبداع. بعد عودته نشرت يوميات الرحلة عام 1829 في كتاب بعنوان "رحلة إيطالية" بأسلوب أدبي ممتع، ليس كأسلوب الرحالة التقليديين الذين يصفون رحلاتهم وانطباعاتهم. فالكتاب ليس وصفا تقليديا لإيطاليا، بل مرآة لانطباعاته الداخلية. من يقرأها يفهم غوته أكثر مما يفهم إيطاليا، إذ إنها تصور "إيطاليا غوته" الخاصة المثالية ، التي صاغها بخياله وتجربته الفردية. ويضم الكتاب رحلتين منفصلتين إلى إيطاليا ، دونهما غوته بعين الشاعر والفيلسوف.

تخليد الرحلة.. مشروع إيطالي ألماني مشترك

ونظرا للأهمية الثقافية والأدبية والتاريخية لتلك الرحلة، وقبل كل شيء أهمية ودور غوته في الأدب الألماني والعالمي ، تعتزم ألمانيا وإيطاليا تطوير مسار ثقافي جديد بشكل مشترك، يستحضر الرحلة. وجاء ذلك بناء على اتفاق بين وزير الدولة الألماني للثقافة فولفرام فايمر ووزير الثقافة الإيطالي أليساندرو جولي، وذلك في إطار المشاورات المشتركة بين الحكومتين الإيطالية والألمانية في روما يوم الجمعة (23 كانون الثاني/ يناير 2026). ويهدف المشروع إلى إنشاء مسار ثقافي يمر بمواقع رئيسية توقف فيها غوته خلال تلك الرحلة.

وقادته رحلته عبر فيرونا والبندقية وفلورنسا ونابولي وصولا إلى صقلية، إلا أنه أمضى وقتا طويلا على وجه الخصوص في روما (حوالي 14 شهرا)، حيث أقام في شارع فيا ديل كورسو. وهناك عاش مع الرسام يوهان هاينريش فيلهلم تيشباين وفنانين آخرين في سكن مشترك أشبه بشقة جماعية. ويقع في ذلك المنزل اليوم متحف "كازا دي غوته" أي منزل غوته.

وقال فايمر إن غوته من خلال حديثه عن تلك الرحلة، أثار في ألمانيا شغفا دائما بإيطاليا، وأسهم في تشكيل صورة إيطاليا لدى أجيال عديدة. وأضاف أنه يشعر بسعادة كبيرة لإحياء "الرحلة الإيطالية" مجددا وإحياء هذا المسار الذي يشبه طريق الحج الثقافي على خطى غوته.

ومن المنتظر أن يبرز المسار المزمع الانطباعات الثقافية والتاريخية والفنية التي تركت أثرا دائما في غوته، وهو مصمم ليجذب المسافرين المهتمين بالثقافة، بالإضافة إلى جمهور شاب من مختلف أنحاء العالم. كما يتضمن البرنامج عروضا مادية ورقمية، مثل تطبيق تفاعلي وإقامة معرض في "كازا دي غوته" حول استقبال غوته في الفن والأدب الإيطاليين، وسيتم افتتاح هذا المعرض بداية من الخريف المقبل.

تجدر الإشارة إلى أن غوته ولد بتاريخ 28 آب/ أغسطس 1749 في مدينة فرانكفورت توفي بتاريخ 22 آذار/ مارس 1832 في مدينة فايمار، ااتني تقع اليوم في وسط شرق ألمانيا بولاية تورنغن.

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار