في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في بغداد، لا يبدأ الغضب من مشادة في شارع أو من كلمة عابرة في مكان العمل. قد يبدأ قبل ذلك بساعتين، داخل سيارة لا تتحرك في زحام الطريق. وقد يمر بمحطة وقود مزدحمة، ثم يصل إلى موظف يخشى خصما من راتبه بسبب تأخر دقائق، قبل أن يعود إلى بيت أنهكه حر الصيف وضغط المعيشة.
هذه ليست قراءة من جدول عالمي، بل خلاصة شهادات مواطنين التقتهم الجزيرة في بغداد، بعد تداول نتيجة من تقرير غالوب عن المشاعر العالمية وضعت العراق في مرتبة متقدمة في الإبلاغ عن الغضب.
يقول وائل نهاد إن رحلة الذهاب إلى العمل قد تحتاج ساعتين، ومثلها العودة إلى البيت: "تطلع من بيتك تروح للدوام يراد لك ساعتين، وترجع من الدوام للبيت ساعتين، هاي 4 ساعات راحت من حياتك".
بالنسبة إليه، لا يقف الأمر عند الوقت الضائع. فالزحام ومحطات الوقود يضيفان توترا مستمرا إلى اليوم: "تريد تدخل للمحطة تعبئ بنزين ما تقدر، ازدحام.. هذا كله جانب سلبي على حياتك".
ويصف مخلد حسن سلسلة قريبة من ذلك، تبدأ في الشارع ولا تنتهي عند باب المنزل: ازدحام، ووقود غير متاح بسهولة، وخصم من الراتب عند التأخر، ثم حرارة مرتفعة وضغط عائلي. ليست هذه "أسبابا صغيرة"، بل احتكاكات متلاحقة قد تجعل أي تفصيل أخير قابلا لإشعال الانفعال.
لا تثبت شهادة فرد أن الازدحام يجعل جميع سكان بغداد غاضبين بالدرجة نفسها، لكن الشكوى من الطريق ليست انطباعا عابرا فقط. ففي بحث بعنوان "نماذج التنبؤ بزمن الرحلات في مدينة بغداد: دراسة حالة" عام 2024، شارك في إعداده باحثان من قسم هندسة الطرق والنقل في الجامعة المستنصرية ببغداد، قُدّر الازدحام في ذروة الصباح بأنه استهلك نحو 65% من زمن الرحلة في أحد المسارات المدروسة باتجاه الشمال. وهذه نتيجة تخص ذلك المسار ولا تمثل جميع طرق بغداد أو جميع السائقين، لكنها تمنح حديث وائل نهاد عن الوقت المستنزف في الطريق أساسا قابلا للقياس.
ما تقوله هذه النتيجة ليس أن الطريق يخلق الغضب حتما، بل إن الطريق نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر يومي لفقدان الوقت وعدم اليقين. بالنسبة إلى موظف يخضع للتأخير أو الخصم، لا يكون السؤال فقط: متى أصل؟ بل: كم سيدفعني هذا التأخر من دخلي وطاقتي؟
وهنا تظهر حاجة بين سطور الشهادات: المواطن لا يطلب طريقا أسرع فقط، بل يوما يمكن توقعه. أن يعرف متى يصل إلى عمله، وألا يتحول خلل في النقل أو الوقود إلى عقوبة مالية أو ضغط داخل البيت.
يربط محمد فراس غضب المواطن بتراكم ضغوط اقتصادية ومعيشية وأمنية، ويرى أن الانفعال قد يخرج بسبب أمور تبدو بسيطة. أما أبو خلدون فيضع البطالة وصعوبة إعالة الأسرة ضمن أسباب الضغط، بينما يتحدث عمر يوسف عن خريجين يقضون سنوات طويلة في الدراسة ثم يصطدمون بندرة فرص العمل.
هذه شهادات شخصية، ولا تتحول وحدها إلى قاعدة تفسر كل العراقيين. لكنها تلتقي مع خلفية أوسع عن سوق العمل. ففي وثيقة منشورة لمنظمة العمل الدولية عام 2024، وصفت المنظمة بطالة الشباب في العراق بأنها مقلقة، وقدرت معدلها بين الذكور المشاركين في قوة العمل بـ22%، وبين الإناث المشاركات بـ66%.
لا يعني ذلك أن البطالة تقود تلقائيا إلى الغضب، ولا أن كل شاب عاطل يعيش التجربة نفسها. لكنه يضع حديث عمر يوسف في سياق معلوم: سنوات التعليم لا تضمن دائما انتقالا سريعا إلى عمل مستقر، وهذا يضيف إلى قلق اليوم العادي قلقا يتعلق بالمستقبل.
أثارت بيانات غالوب الأحدث للمشاعر العالمية نقاشا في العراق بعدما وضعت البلاد في المرتبة الخامسة عالميا، بالتساوي مع سيراليون، والثانية عربيا بعد الأردن، في نسبة من قالوا إنهم شعروا بالغضب خلال قدر كبير من اليوم السابق. بلغت النسبة في العراق 40%، مقابل 46% في الأردن.
ومن هنا جاء العنوان الذي يستعير مفارقة شعبية متداولة عن “عصبية الأردني”. لكن لا الأردن يختزل في تلك الصورة، ولا العراق يختزل في ترتيبه داخل قائمة.
فغالوب لا تسأل الناس إن كانوا "عصبيين"، ولا تقيس الاستعداد للعنف أو الصحة النفسية أو الخصائص الوراثية. السؤال الذي تطرحه المؤسسة هو: هل شعرت بالغضب خلال قدر كبير من اليوم السابق؟ وهي تقيس هذا السؤال بالطريقة نفسها عبر 144 دولة ومنطقة.
لهذا لا يصح التعامل مع الرقم بوصفه حكما على شخصية العراقيين. إنه يلتقط تجربة عاطفية أبلغ عنها المشاركون في لحظة زمنية محددة، ثم يترك للمجتمع والصحافة والباحثين سؤال السياق: ما الذي يجعل الغضب تجربة متكررة في حياة بعض الناس؟
في لقاءات الجزيرة، يربط عبد الله ماهر سرعة الانفعال بما يسميه “الطبيعة الفسيولوجية” للفرد العراقي، ويلمح عمر يوسف إلى احتمال وجود عامل وراثي. لكن هذه تفسيرات شخصية وردت في الشارع، ولا تقدم بيانات غالوب أو الدراسة الخاصة بزمن الرحلات في بغداد دليلا علميا على وجود طبيعة بيولوجية أو “جينات غضب” لشعب بعينه.
الأقرب إلى ما تقوله المادة هو أن الضغط لا يهبط دفعة واحدة. هو يتراكم: ساعة في الزحام، وقلق من التأخر، وخصم محتمل من الراتب، وطابور وقود، ثم مسؤوليات البيت والعمل. وقد تختلف استجابة الناس لهذه الضغوط، لكن ذلك لا يجعلها غير موجودة.
لكن فهم الضغوط التي تغذي الانفعال لا يعني تبرير نتائجه. فالغضب شعور إنساني، أما تحويله إلى إساءة أو عنف داخل البيت أو في الشارع أو مكان العمل فلا تبرره الزحامات ولا الأزمات المعيشية.
لا يحتاج المواطن في بغداد إلى ترتيب عالمي كي يعرف كلفة يومه. يعرفها من الوقت الذي يضيع في الطريق، ومن احتمال التأخر، ومن الراتب الذي لا يحتمل الخصم، ومن القلق على العمل والأسرة.
أما بيانات غالوب، فتعطي لهذه التفاصيل لغة رقمية فقط. وهي لا تقول إن الغضب هو هوية العراقيين، بل تفتح نافذة على يوم يصفه مواطنون بأنه مزدحم ومكلف وغير مضمون.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا العراقي غاضب؟ بل: كم ضغطا يمكن أن يتحمله يوم المواطن قبل أن يصبح الغضب آخر ما يملكه للتعبير؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة