آخر الأخبار

كورية لم تزر سوريا قط.. فكيف تتحدث الحلبية كأنها ولدت في حلب؟

شارك

"كيف تعلمتِ الحلبية؟".. سؤال يتكرر على مينا، الكورية التي أثارت طريقة حديثها بالعربية دهشة متابعيها السوريين، بعدما لاحظوا أنها تتحدث بلهجة أهالي حلب بطلاقة، حتى إن بعضهم رأى أنها تتحدثها أفضل من بعض الحلبيين.

والمفارقة أن مينا لم تزر سوريا في حياتها، ولم تتعلم اللهجة في مدرسة أو دورة.

وفي مقطع نشرته عبر حسابها على تيك توك، تروي مينا أن عائلتها كانت على معرفة بعائلة سورية، وكانت تلتقي أفرادها وتسمع حديثهم. لكنها لم تكن تعرف أن العائلة تنحدر من حلب، ولم تدرك أن الطريقة التي التقطتها في الكلام تنتمي إلى لهجة المدينة.

عرفت ذلك لاحقا من متابعيها السوريين، الذين كانوا يلفتون نظرها إلى أنها تتحدث "حلبي". عندها فقط اكتشفت أن مصدر اللهجة التي اكتسبتها كان تلك العائلة التي عرفها أهلها.

وهنا تتحول قصة مينا من موقف طريف إلى سؤال لغوي أوسع: كيف يمكن للإنسان أن يكتسب لهجة محلية من دون أن يعيش في موطنها؟

هل تحتاج اللهجة إلى صف دراسي؟

لا يتعلم الإنسان طريقة الكلام من القواعد وحدها، فالطفل -مثلا- لا يفتح كتابا ليتعلم كيف يتحدث أهل مدينته، وإنما يسمعهم ويقلدهم إلى أن تصبح أصواتهم وتراكيبهم جزءا من لغته اليومية. والآلية نفسها يمكن أن تستمر في مراحل لاحقة من العمر، وإن كانت درجة اكتساب اللهجة تختلف من شخص إلى آخر.

ويعرف الباحثون هذه العملية باسم "اكتساب اللهجة الثانية "، وقد أظهرت دراسات في علم اللغة الاجتماعي أن التعرض للهجة يمكن أن يؤدي إلى اكتساب بعض خصائصها حتى من دون الانتقال إلى المنطقة التي تنتشر فيها.

وتوصلت دراسة نشرت عام 2026 في مجلة اللغويات الإنجليزية (Journal of English Linguistics) إلى أن اكتساب سمات اللهجة يمكن أن يحدث لدى أشخاص غير متنقلين جغرافيا، وأن التعرض لها قد يكون محفزا لهذه العملية.

ويشير الباحثون إلى عوامل أخرى تؤثر في درجة الاكتساب، بينها كثافة التعرض والشبكات الاجتماعية والعمر ومدة الاحتكاك باللهجة والموقف منها. وتدعم ذلك دراسة أخرى للباحثة بيسي إيفانز عن مهاجرين من منطقة أبالاشيا، بحثت تحديدا في علاقة الشبكات الاجتماعية باكتساب خصائص اللهجة المحلية.

ما الذي يلتقطه المستمع؟

حين نسمع لهجة جديدة، لا تصل إلى أذننا الكلمات وحدها. فمع تكرار المحادثات، يمكن أن نلتقط طريقة نطق الأصوات والإيقاع والتنغيم والمفردات التي يفضلها المتحدثون، وحتى بعض التراكيب التي تبدو طبيعية في تلك البيئة.

إعلان

وتشير نظرية التكيّف الاتصالي في علم اللغة الاجتماعي إلى أن الأشخاص قد يعدّلون طريقة كلامهم أثناء التفاعل، فيقترب أسلوب أحدهم من أسلوب الطرف الآخر. ويُعرف هذا التقارب بـ"المواءمة اللغوية "، وقد شملت الدراسات مظاهر مثل النطق واللهجة وسرعة الكلام.

وهذا يفسر لماذا قد يخرج شخص من جلسات طويلة مع مجموعة من الناس وهو يستخدم كلماتهم أو نطقهم من دون أن يكون قد قرر تعلمها، فاللغة في هذه الحالة تُكتسب من الممارسة قبل الدراسة.

لماذا تبدو اللهجات صعبة حتى على العرب؟

تجربة مينا تعكس ظاهرة يعرفها كثير من المتحدثين بالعربية. فالعربية لغة واحدة، لكن لهجاتها المحلية طورت عبر الزمن أنظمة مختلفة في النطق والمفردات والتراكيب. وقد يفهم العربي المتحدثين بلهجة ما بسهولة لأنه نشأ بينهم، بينما يتعثر أمام اللهجة نفسها إذا لم يسبق له الاحتكاك بها.

ولهذا قد يحتاج عربي إلى وقت حتى يعتاد لهجة منطقة أخرى، في حين يستطيع شخص عاش وسط أهلها أن يفهمها ويتحدث بها بصورة تلقائية. والفارق هنا ليس في "معرفة العربية" بقدر ما هو في التعرض المستمر لنمط لغوي محدد.

مينا تعلمت اللهجة قبل أن تعرف اسمها

ما يميز قصة مينا أن الوعي باللهجة جاء متأخرا عن اكتسابها، فهي لم تدخل التجربة وهي تعرف أنها تتعلم الحلبية، ولم تكن تعرف أصلا أن الأشخاص الذين أخذت عنهم طريقة كلامها ينتمون إلى حلب. واحتاج الأمر إلى ملاحظات المتابعين حتى تربط بين لهجتها والعائلة السورية التي عرفتها أسرتها.

وهذه التفاصيل تكشف جانبا من الطريقة التي تعمل بها اللغة في حياتنا اليومية؛ أحيانا نبدأ باستخدام تعبير أو نطق معين لأننا نسمعه كثيرا من أشخاص قريبين منا، ثم نكتشف لاحقا مصدره.

في حالة مينا، لم تصلها اللهجة الحلبية من حلب مباشرة، بل عبر علاقة اجتماعية نقلت إليها جزءا من هوية مدينة كاملة من دون أن تنتقل هي إليها. وربما لهذا تبدو قصتها لافتة: يمكن للإنسان أن يحمل لهجة مكان لم يزره، فقط لأن أشخاصا من ذلك المكان مروا في حياته.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار