ماذا يجمع بين حليب تنتجه صراصير نادرة، وألف زوج من الملابس الداخلية دُفنت في التربة، ودراسة علمية لكيفية نفخ الأنف؟ كلها أسئلة وأبحاث بدت غريبة وطريفة بما يكفي لتفوز بجوائز "إيغ نوبل" (Ig-Nobel) لعام 2026، في حفل أقيم للمرة الأولى خارج الولايات المتحدة، بمدينة زيورخ السويسرية.
ففي 3 سبتمبر/أيلول، كُرمت 10 فرق بحثية في الدورة الـ36 من الجائزة، وسط طائرات ورقية أطلقها الحضور باتجاه المسرح، وجوائز تذكارية تجمع في تصميمها بين قدم بشرية وفطر، في مشهد يلخص روح الجائزة التي تحتفي بأبحاث "تجعل الناس يضحكون ثم يفكرون".
ذهبت جائزة الكيمياء إلى فريق درس بروتينات حليب الصرصور الولود (Diploptera punctata) وخلص البحث إلى أن هذه البروتينات تحمل طاقة تزيد بنحو 3 مرات على بروتينات حليب الأبقار. لكن الجائزة لا تعني اكتشاف مصدر غذاء جديد للبشر، إذ كان البحث الأصلي يركز على بنية هذه البروتينات وخصائصها.
وفي علوم التربة، دفن باحثون ألف زوج من الملابس الداخلية القطنية في أكثر من 25 دولة، ثم استعادوها بعد شهرين. وكانت درجة تحلل القطن وسيلة لقياس النشاط الحيوي في التربة، في تجربة حولت قطعة ملابس يومية إلى أداة غير مألوفة لدراسة صحة التربة.
أما جائزة الطب فذهبت، بعد وفاة الباحث الياباني توكوجي أونو، إلى دراسة تعود إلى عام 1977 بعنوان "كيف تنفخ أنفك.. دراسة أيروديناميكية لنفخ الأنف" بحثت في حركة الهواء والضغط أثناء هذه الممارسة اليومية.
وفي مجال الميكانيكا الحيوية، حاول باحثون وضع تعريف أكثر دقة للتقبيل، من خلال مقارنة هذا السلوك لدى النمل والطيور والدببة القطبية والبشر، في محاولة لتتبع جذوره التطورية.
ولم تقتصر القائمة على ذلك، إذ شملت جائزة الفيزياء محاولة تصميم مبولة تقلل تناثر البول، فيما كرمت جائزة التكنولوجيا استخدام أجزاء فم البعوض بوصفها فوهات دقيقة للطباعة ثلاثية الأبعاد، في تقنية أطلق عليها الباحثون "الطباعة بالجثث" أو (Necroprinting). ويضم الفريق الباحث المصري علي عفيفي إلى جانب باحثين من الصين وكندا والولايات المتحدة.
كما كُرمت أبحاث عن سلوك الثعابين السامة عند الضغط على أجزاء مختلفة من أجسامها، وعن رائحة الأطفال التي يستسيغها آباؤهم أكثر من رائحة المراهقين، وعن ميل بعض الأشخاص إلى تقدير الأصدقاء الذين يتصرفون بقسوة تجاه من يكرهونهم، إضافة إلى دراسة اقتصادية بحثت في سلوكيات غير أخلاقية لدى أفراد من الطبقات الاجتماعية الأعلى، من بينها أخذ حلوى مخصصة للأطفال.
تمنح "إيغ نوبل" أو (نوبل للحماقة العلمية) جوائزها منذ عام 1991، وتنظمها مجلة "حوليات البحوث غير المحتملة" (Annals of Improbable Research). ولا تقوم فكرتها على السخرية من العلم بقدر ما تحتفي بالأسئلة غير المألوفة والبحوث التي قد تبدو للوهلة الأولى عبثية، لكنها تستخدم أدوات البحث العلمي للإجابة عنها.
وتلخص الجهة المنظمة فلسفة الجائزة بعبارة " تجعل الناس يضحكون ثم يفكرون" مؤكدة أنها تريد الاحتفاء بالإنجازات غير المعتادة، وتكريم الخيال، وتشجيع الاهتمام بالعلوم والطب والتكنولوجيا.
ولذلك لا تعني غرابة موضوع البحث أنه بلا قيمة علمية، فدراسة الملابس الداخلية -مثلا- تختبر مؤشرا على النشاط الحيوي في التربة، والبحث في حليب الصراصير يتناول بنية بروتينات غير مألوفة، بينما تحاول دراسة المبولة فهم سلوك السوائل بطريقة يمكن أن تؤدي إلى تصميم أكثر كفاءة.
كان حفل 2026 مختلفا عن سابقاته من زاوية أخرى أكثر جدية، فقد خرجت "إيغ نوبل" للمرة الأولى من الولايات المتحدة بعد 35 دورة أقيمت جميعها في ولاية ماساتشوستس، بينها حفلات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعتي هارفارد وبوسطن، قبل أن تقام مراسم الجائزة عبر الإنترنت.
وقال مؤسس الجائزة ومقدم حفلها مارك أبراهامز إن المنظمين قرروا نقل الحفل إلى أوروبا في ظل مخاوف متزايدة بشأن سفر الضيوف الدوليين إلى الولايات المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بالتأشيرات والظروف السياسية السائدة.
واستضافت زيورخ الدورة الجديدة في قاعة "كونغرسهاوس" على أن تتناوب المدينة مع أوروبية أخرى في السنوات المقبلة، وستقام دورة 2027 في أنتويرب البلجيكية، بينما تعود زيورخ لاستضافة الحفل في السنوات الزوجية.
لم يتخل الحفل عن تقاليده الساخرة رغم انتقاله إلى أوروبا، فقد أطلق نحو 1500 شخص من الحضور طائرات ورقية باتجاه المسرح، فيما تولى 4 من الحائزين على جائزة نوبل الحقيقية تسليم جوائز "إيغ نوبل" للفائزين. وكان موضوع دورة هذا العام هو الفطريات، وهو ما انعكس حتى على تصميم الجوائز.
ورغم تشابه الاسم، لا تربط "إيغ نوبل" صلة رسمية بجوائز نوبل، التي تعلن جوائزها التقليدية في أكتوبر/تشرين الأول. لكن المفارقة التي صنعتها الجائزة على مدى 35 عاما تكمن في أنها تستخدم الضحك مدخلا إلى الفضول العلمي والبحوث الجادة.
وهنا تكمن الفكرة التي أبقت "إيغ نوبل" حاضرة في المشهد العلمي كل هذه السنوات: ليس السؤال الغريب بالضرورة بلا قيمة؛ أحيانا تكون غرابته هي ما يجعلنا نتوقف، ثم نفكر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة