آخر الأخبار

اللبنانيون يعالجون أنفسهم بالموسيقى والمسرح والغناء

شارك
"انضموا إلينا لنتعالج بالموسيقى" شعار أطلقته سيدات في لبنان

في بلد أثقلت الأزمات سكانه، ربما لا يكون غريبا أن يتحول الغناء والموسيقى والمسرح والرقص من مجرد أشكال للفن إلى مساحات لاستعادة التوازن، ومواجهة الخوف، وكسر العزلة، والبحث عن حياة أكثر احتمالا.

في السنوات الأخيرة، بدأ العلاج بالفنون يلفت اهتماما متزايدا في لبنان، ليس باعتباره نشاطا ترفيهيا أو هواية فحسب، بل بوصفه وسيلة يمكن أن تدخل ضمن برامج الرعاية الصحية والتأهيل. فمن الدراما و المسرح إلى الموسيقى والرقص والحركة و الرسم، تتحول الفنون إلى أدوات تساعد الإنسان على التعبير عن مشاعره، وفهم ذاته، والتعامل مع الضغوط بطريقة مختلفة.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تنتشر حلقات غنائية تشارك فيها سيدات من مختلف الأعمار، وتنتقل من منطقة إلى أخرى تحت عناوين من نوع: "انضموا إلينا لنتعالج بالموسيقى".

أصوات من الواقع
نساء يجتمعن، يغنين، يضحكن، وأحيانا يشاركن مشاعرهن وتجاربهن. بالنسبة إلى بعضهن، هي فسحة للراحة واستعادة الطاقة، وبالنسبة إلى أخريات محاولة للخروج من الوحدة والضغط اليومي ورعب الحرب.
تقول سامية، 50 عاما، لموقع "سكاي نيوز عربية": "أجد في الغناء فرصة للابتعاد عن مشاكل البيت والضغوط اليومية والأخبار".
أما شذى، في أواخر العشرينيات، فتقول: «بعد كل ما عشناه، أشعر أنني لم أستوعب بعدُ ما حدث، حين أغني أشعر أنني قادرة على التعبير عن أشياء لا تعبر عنها الكلمات العادية".

الفن يدخل إلى برامج التأهيل
من جهتها، توضح الإستشارية البروفسور ابتسام صعب، المتخصصة في العلاج الفيزيائي لاضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي، في حديثها لسكاي نيوز أن "الفنون العلاجية يمكن أن تؤدي دورا مهماً في برامج إعادة التأهيل، مؤكدة أن إعادة التأهيل الحديثة لم تعد تركز على المرض أو الإصابة فقط، بل على الإنسان بكل أبعاده الجسدية والنفسية والاجتماعية، وأن نجاح العلاج يُقاس بقدرة المريض على استعادة استقلاليته وتحسين مشاركته في حياته اليومية".
وتشير إلى "مراجعة علمية شاملة (Scoping Review) نُشرت عام 2019 عن المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية، واستعرضت أكثر من 3000 دراسة علمية، وأظهرت أن الفنون العلاجية، مثل الموسيقى والمسرح والرقص، يمكن أن تسهم في تعزيز الصحة النفسية، وتحسين جودة الحياة، ودعم التواصل والمشاركة الاجتماعية".
وتضيف أن " منظمة الصحة العالمية تؤكد أهمية دمج الفنون ضمن خدمات الرعاية الصحية وإعادة التأهيل عندما يكون ذلك مناسبا، لما لها من أثر إيجابي في دعم الجوانب النفسية والاجتماعية والوظيفية للمريض".

وتؤكد أن "العلاج بالفنون ليس بديلا عن العلاج الفيزيائي أو العلاج النفسي، بل هو تدخل علاجي تكاملي يُستخدم عندما تشير الحاجة إليه، ويُقدَّم ضمن خطة علاجية يشرف عليها فريق متعدد التخصصات، بما يحقق أفضل النتائج للمريض".
وتوضح أن "العمل يبدأ بتقييم شامل لحالة المريض واحتياجاته، ثم يضع الفريق متعدد التخصصات خطة علاجية متكاملة، بحيث يُحدد كل اختصاصي التدخلات المناسبة ضمن مجال اختصاصه، ويُدمج العلاج بالفنون في برنامج التأهيل عندما يكون مناسبا لتحقيق أهداف العلاج".

مصدر الصورة

العلاج بالموسيقى… هروب من الواقع ؟
تعليقاً على الموضوع، توضح د. لينا رياشي، اختصاصية في العلاج بالموسيقى والعلاج الفيزيولوجي، أن " العلاج بالموسيقى ليس مجرد وسيلة للاسترخاء، بل هو علاج يستخدم عناصر الموسيقى، مثل الاستماع والغناء والعزف والإيقاع والارتجال، لتحقيق أهداف صحية ونفسية واجتماعية".
وتشرح رياشي لموقع "سكاي نيوز عربية" أن الفرق كبير بين أن يستمع الإنسان إلى الموسيقى ويشعر بالراحة، وبين أن يشارك في جلسة علاج بالموسيقى مع متخصص. فالجلسة العلاجية تبدأ بتقييم الحالة وتحديد هدف علاجي، ثم اختيار تقنيات موسيقية مناسبة، ومراقبة استجابة الشخص وتقييم تقدمه.
وتؤكد أن العلاج بالموسيقى لا يعني بالضرورة الاستماع إلى موسيقى هادئة، بل يمكن أن يتضمن الغناء أو العزف أو الارتجال أو كتابة الأغاني، واستخدام الصوت والجسد والإيقاع، مشددة على أن العنصر الأساسي هو أن تتم العملية ضمن علاقة علاجية ومن خلال متخصص ومدرّب.
وتحذر من الخلط بين العلاج بالموسيقى والأنشطة الغنائية المنتشرة، مشيرة إلى أن إقامة حلقات غناء أو تمارين صوتية، حتى لو شعر المشاركون بعدها بالراحة، لا يعني تلقائيا أنهم خضعوا لعلاج بالموسيقى.
وتلفت إلى أن " الموسيقى تختلف من شخص إلى آخر، فما يريح شخصا قد يزعج آخر، والأغنية نفسها قد تحمل لشخص ذكرى جميلة ولآخر ذكرى مؤلمة". لذلك، يجري التعرف إلى التفضيلات الموسيقية للشخص وتاريخه وثقافته وعمره وحالته النفسية والهدف من الجلسة قبل اختيار الموسيقى المناسبة".
وتضيف أن" الموسيقى قد تساعد الإنسان على الوصول إلى مشاعره والتعبير عنها عندما تكون الكلمات صعبة، خصوصا في حالات القلق وصعوبات التواصل وتنظيم الانفعالات والمشاكل السلوكية، كما يمكن استخدامها مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في التواصل، ومن ضمنها التوحّد."
وترى رياشي أن "الأمر يرتبط بحجم الضغوط التي يعيشها اللبنانيون، من أزمات اقتصادية وخوف وفقدان الشعور بالأمان وهجرة وانفصال عائلي وأحداث أمنية وضغوط يومية مستمرة".
وتشدد على "ضرورة التمييز بين النشاط الموسيقي الذي يمنح الإنسان لحظة من الراحة أو الهروب من الضغوط، وبين العلاج بالموسيقى الذي يقوم على أسس مهنية وعلاجية واضحة".

مصدر الصورة

"دراما ثيرابي"… العلاج من بوابة المسرح
وفي السياق، تقول غالية صعب، خريجة علوم المسرح والمعالجة المتخصصة بالدراما ثيرابي، إن "الدراما ثيرابي" تندرج تحت مظلة العلاج بالفنون بشكل عام، إلى جانب العلاج بالموسيقى والرسم والحركة والرقص، مشيرة إلى أن "الشخص يمكنه اختيار المجال الأقرب إليه وفق حاجته وطبيعته".
وتلفت صعب، في حديث لموقع «سكاي نيوز عربية»، إلى أن الدراما ثيرابي بدأت تصبح معروفة بشكل أكبر في لبنان خلال السنوات الـ3 أو الـ4الماضية".
وتشدد على أن "العلاج بالدراما لا يمكن أن يكون تجربة تقتصر على جلسة أو جلستين، بل يحتاج إلى مسار علاجي متكامل، يتراوح عادة بين ثماني جلسات كحد أدنى، وقد يصل إلى 10أو 12 جلسة، فيما تتراوح مدة الجلسة بين ساعة ونصف و3 ساعات، وفقاً لحاجة كل شخص والبرنامج الموضوع له".
وتوضح صعب أن "اللبنانيين يعيشون اليوم في ظل ضغوط وأزمات متواصلة، وفي حالة من عدم الأمان، حتى بات كثيرون يعيشون في حالة دائمة من التأهب والبقاء نتيجة الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهونها يومياً."
وترى أن «الدراما ثيرابي»، إلى جانب «الموسيقى ثيرابي»، ليست مجرد علاج لفترة زمنية محددة، بل يمكن أن تصبح جزءاً من أسلوب حياة أكثر صحة.
وتختم "بالتأكيد على أن استخدام الموسيقى والرسم والرقص والحركة والجسد يساعد على كسر الحواجز، إذ قد يدخل الشخص إلى الجلسة من خلال نشاط فني يبدو في البداية مسلياً، ثم يكتشف أنه بدأ يتحدث ويعبّر عن نفسه من دون أن يشعر".


الموسيقى… لكل حالة لحنها
أما المعالج الفيزيائي والعازف الموسيقي كريم صباغ، فيشرح لموقع "سكاي نيوز عربية" أهمية الموسيقى وتأثيرها على الجمهور، مشيراً إلى أنها عالم متنوع، وأن لكل حالة ما يمكن أن يحاكيها من ألحان ومقامات.
ويلفت إلى أن الموسيقى تضم مقامات متعددة، منها ما يرتبط بالحزن ومنها ما يرتبط بالفرح وغيرها من الحالات والمشاعر، ما يجعلها قادرة على ملامسة جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية.


"ترند الموسم"
ويقول صاحب فندق كبير في العاصمة اللبنانية بيروت لـ"سكاي نيوز عربية" إن "إدارة الفندق تفاجأت بحجم الإقبال على هذه الأنشطة، التي وصفها بأنها أصبحت "ترند الموسم"، مشيراً إلى أن معظم قاعات الفندق باتت تُحجز لإقامة دروس وأنشطة فنية وموسيقية ومشاركة المستفيدين فيها".
ويلفت إلى أن "الظاهرة تستقطب النساء بشكل خاص في الوقت الحالي، مع ازدياد الإقبال على اللقاءات التي تجمع بين الموسيقى والفن و التواصل الاجتماعي".

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار