آخر الأخبار

كيف نجح الحلفاء في تهريب "سلاح هتلر العجيب" من بولندا المحتلة إلى بريطانيا؟

شارك
مصدر الصورة

استعادت بي بي سي في عام 1977 أحداث صيف عام 1944، حين نجح عملاء الحلفاء في تهريب أجزاء من "سلاح هتلر العجيب"، بعد إخفائها داخل شقة ضابط ألماني.

وفي 6 أغسطس/آب 1944، وصل الجيش الأحمر السوفيتي إلى قرية بليزنا، شمال غربي مدينة جيشوف في بولندا، وحررها من الاحتلال النازي. وكانت هذه القرية الريفية النائية، المحاطة بالحقول الزراعية وغابات الصنوبر الكثيفة، تبدو للوهلة الأولى قليلة الأهمية عسكرياً. لكن الحفر العميقة في أرض الغابة، والحطام المعدني، وبيوت المزارع الوهمية، كانت تشير إلى الغرض السري الذي خُصصت له.

وقبل أن تنسحب القوات النازية منها بأيام قليلة، كانت بليزنا موقعاً لاختبار إطلاق سلاح جديد، كان أدولف هتلر يأمل أن يقلب موازين الحرب ضد الحلفاء الغربيين. وعرف هذا السلاح لدى الألمان باسم "فيرغيلتونغسفافه 2" (سلاح الانتقام 2)، أو صاروخ "في 2"، وكان أول سلاح باليستي حديث في العالم.

وصمّم الصاروخ المهندس فيرنر فون براون، وكان مداه يبلغ نحو 280 كيلومتراً، ويحمل رأساً حربياً يزن طناً واحداً. وجعلت سرعته التي تفوق سرعة الصوت وارتفاعه الكبير أثناء التحليق منه "سلاحاً عجيباً"، قادراً على الانفجار من دون إنذار مسبق في المدن التي يستهدفها.

لكن في صيف عام 1944، هُرّبت أجزاء من صاروخ "في 2" من بولندا إلى بريطانيا في واحدة من أجرأ العمليات السرية خلال الحرب العالمية الثانية.

مصدر الصورة

كان النازيون قد بدأوا تطوير صاروخ "في 2" عام 1936، لكن الاستخبارات البريطانية لم تكن على علم بوجوده حتى أوائل عام 1943، بحسب ما أوضحه خبراء في الفيلم الوثائقي الذي بثته بي بي سي عام 1977 بعنوان "الحرب السرية".

وقال الدكتور آر. في. جونز، رئيس الاستخبارات العلمية الجوية: "كانت لدينا بعض المعلومات قبل عام 1939 تفيد بأن الألمان ربما كانوا يطورون صواريخ بعيدة المدى. ثم لم نسمع شيئاً آخر حتى ديسمبر/كانون الأول 1942، عندما أخبرنا عميل جديد، اتضح لاحقاً أنه مهندس كيميائي دنماركي، بأنه سمع مصادفة حديثاً في برلين بين مهندسين قالا إن سلاحاً جديداً يجري تطويره واختباره على ساحل بحر البلطيق".

وجاءت نقطة التحول عام 1943، عندما نُقل جنرالان ألمانيان أُسرا كلٌ على حدة إلى بريطانيا لاستجوابهما، ثم سُمح لهما بالتحدث معاً على انفراد، من دون أن يدركا أن الغرفة كانت مزودة بأجهزة تنصت.

وتناقشا في سبب عدم استخدام الصواريخ حتى ذلك الحين، وقالا إنه لا بد أن خللاً ما قد طرأ، إذ كانا قد أُبلغا قبل أكثر من عام بأن هذه الأسلحة ستكون جاهزة في غضون بضعة أشهر فقط.

ووفقاً لجونز، قال أحدهما: "حسناً، نحن في مكان ما بالقرب من لندن، ولم نسمع أي دوي، لذا لا بد أن شيئاً لم يحدث".

ويتذكر جونز في حديثه عام 1977 قائلاً: "كان محلل الاستخبارات تشارلز فرانك يجلس قبالتي مباشرة، وفجأة رفع رأسه عن تقرير الاستجواب وقال: انظر، من الأفضل أن نأخذ هذه الصواريخ على محمل الجد".

واكتشف البريطانيون مركز الأبحاث السري الذي أقامه النازيون لتطوير صاروخ "في 2" في بينيمونده، على جزيرة قرب ساحل بحر البلطيق، وقصفوه في أغسطس/آب 1943. وبعد الغارة الجوية، نقل النازيون مواقع اختبار الصاروخ وتدريب أطقم تشغيله وإطلاقه إلى خارج ألمانيا، واختاروا موقعاً أبعد شرقاً في بولندا، على بعد نحو 240 كيلومتراً جنوب وارسو، تحيط به الغابات. وكانت بليزنا تُعد ذات أهمية استراتيجية كبيرة إلى درجة أن هتلر وهاينريش هيملر، أحد أبرز مهندسي المحرقة النازية، زاراها خلال الأشهر التالية.

لكن صواريخ "في 2" التجريبية كانت تعاني من عيب أدى إلى تأخير نشرها قرابة عام كامل، إذ كان معظمها يتفكك في الجو قبل بلوغ هدفه بقليل، على مسافة نحو 320 كيلومتراً، بالقرب من نهر بوغ في شرق بولندا. وتمركزت هناك وحدة خاصة من القوات الألمانية لاستعادة أجزاء الصواريخ التي سقطت، كي يحللها العلماء.

تحت الخضار

لكن، كما روى ويليام وولارد، مقدم الفيلم الوثائقي "الحرب السرية"، عام 1977: "كانت المشكلة الرئيسية في هذا الموقع الجديد أن السكان المدنيين المحليين لم يكونوا متحمسين كثيراً لفكرة سقوط الأسلحة السرية الألمانية عليهم من السماء. وكانت حركة المقاومة البولندية قد طلبت منهم محاولة جمع الحطام قبل أن يصل إليه الألمان".

مصدر الصورة

في مايو/أيار 1944، سقط صاروخ من طراز "في 2" على الضفاف المستنقعية لنهر بوغ، وبقي سليماً إلى حد كبير. وغطاه سكان القرية بالقصب، ثم استدعوا أحد قادة المقاومة البولندية، الملازم تاديوش ياكوبسكي. وبعد 33 عاماً، قال لبي بي سي من موقع الحادث: "هنا سقط الصاروخ من دون أن ينفجر. فشل الألمان في العثور عليه، وبعد بضعة أيام توقفوا عن البحث تماماً. عندها سحبنا الصاروخ إلى الضفة، وجاء فريق من الخبراء من وارسو لتفكيكه".

ووضعت أجزاء الصاروخ في أكياس أخفيت تحت الخضروات، ثم نقلت على عربات إلى وارسو عبر طرق ريفية قليلة الاستخدام، فيما كان مقاتلو المقاومة المسلحون يراقبونها من داخل الغابات. ورغم عمليات التفتيش الأمنية المتواصلة في العاصمة البولندية، نجحت المقاومة في تهريب أجزاء الصاروخ إلى المدينة.

وكان من بين العلماء الذين كلّفوا بتحليل مكوناته الإلكترونية عالم الفيزياء البروفيسور يانوش غروشكوفسكي. ونظراً إلى مخاوف من أن يفتش الغيستابو مختبره في الجامعة، قررت المقاومة أن تكون شقة خاصة مكاناً أكثر ملاءمة لعمله، وكانت تلك الشقة تعود إلى ضابط ألماني لا يعلم شيئاً عما يجري.

وكانت الوحدات الإلكترونية تخفى ليلاً داخل إحدى حقائب الضابط نفسه. وقال غروشكوفسكي لبي بي سي: "قبل وصولي، كانت هذه الحقيبة تنقل من غرفة الضباط إلى غرفة خاصة أعدت لي لإجراء الفحص". وكان يعمل لساعات متواصلة في الغرفة الصغيرة، وسط خطر دائم من عودة الضابط على نحو مفاجئ.

لكن غروشكوفسكي روى قائلاً: "لم يحدث ذلك إطلاقاً طوال فترة وجودي هناك". وكان عناصر المقاومة يراقبون الضابط الألماني باستمرار. وأضاف الفيزيائي: "كانت الخادمة تتصل به هاتفياً لتسأله ماذا يرغب في تناول العشاء، للتأكد من أنه لا يزال في مكتبه بالمطار. أما إذا قال، على سبيل المثال، إنه سيعود مبكراً، فكنت أختفي".

وأعقبت عملية التمويه في وارسو عملية بالغة السرية لإخراج مكونات الصاروخ، حملت الاسم الرمزي "وايلدهورن 3"، أو "عملية موست 3". ففي ليلة 25 يوليو/تموز، هبطت طائرة نقل من طراز داكوتا تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، زوّدت بخزانات وقود إضافية تتيح لها التحليق لمدة تصل إلى 18 ساعة، في مهبط مهجور قرب قرية فال-رودا البولندية، في منطقة تحيط بها وحدات عسكرية ألمانية. وكان من المقرر تحميل الطائرة بـ19 حقيبة تضم أجزاء رئيسية من صاروخ "في 2"، إلى جانب مخططات فنية وتقارير علمية.

وبعد إبلاغهم بالعملية عبر رموز مشفرة بثت عبر إذاعة بي بي سي، خرج مقاتلو المقاومة من الغابات القريبة مع هبوط طائرة داكوتا بعد منتصف الليل بقليل. لكن بعد تحميل الشحنة، عجزت الطائرة عن الإقلاع بعدما علقت عجلاتها في الأرض الموحلة.

وأفرغت الطائرة من حمولتها بالكامل مرتين، فيما جرت محاولات لوضع القش والألواح الخشبية تحت العجلات لتحسين تماسكها مع الأرض، وراح بعض أفراد المقاومة يزيلون الوحل من حول العجلات بأيديهم العارية. وفي مرحلة ما، اعتقد قادة العملية أنهم سيضطرون إلى إجلاء الركاب وإحراق الطائرة، حتى إن أفراد الطاقم سكبوا البنزين على معدات الهبوط استعداداً لذلك. لكن الطائرة نجحت في النهاية في الإقلاع.

الطريقة الوحيدة للتغلب على صاروخ "في 2"

مصدر الصورة

وأتاحت عملية النقل الجوي الجريئة للحلفاء تهريب أحد أكثر أسلحة الرايخ الثالث إثارة للرعب من أوروبا التي كانت تحت الاحتلال النازي، من تحت أنظار الجيش الألماني مباشرة. ووصل صاروخ "في 2" بأمان إلى لندن في 28 يوليو/تموز 1944، وبدأت الاستخبارات البريطانية تحليل "سلاح هتلر العجيب".

وقال المؤرخ غاي والترز، مؤلف كتاب "سرقة صاروخ هتلر"، لبي بي سي: "لم يكن نقل الصاروخ كاملاً ضرورياً، بل كان مستحيلاً، إذ كان صاروخ في 2 يزن نحو 12.5 طناً ويبلغ طوله 14 متراً. لكن البولنديين فككوه بعناية فائقة، بحيث نُقلت جميع مكوناته الأساسية في الرحلة إلى بريطانيا. وكانت هذه الأجزاء بالغة الأهمية، لأنها أتاحت للعلماء البريطانيين، للمرة الأولى، فحص مكونات لم تكن قد تعرضت لتلف جزئي".

ووفرت تلك العملية السرية معلومات حاسمة عن سلاح لبث الرعب كان سيضرب لندن للمرة الأولى بعد أقل من ستة أسابيع.

وأضاف والترز: "ما لم يكن البريطانيون يعرفونه هو ما إذا كان الصاروخ مزوداً بنظام توجيه. فلو كان مزوداً به، لكان من الممكن العمل على التشويش عليه عن بعد، وبالتالي دفع الصواريخ إلى الانحراف عن مسارها. لكن ما كشفته الصواريخ المسروقة للبريطانيين هو أن الصاروخ لم يكن مزوداً بنظام توجيه، وهو ما وفر على العلماء البريطانيين وقتاً هائلاً كانوا سيقضونه في محاولة تطوير وسائل مضادة. ولذلك، كانت الطريقة الحقيقية الوحيدة للتغلب على صاروخ في 2 هي الانتصار في الحرب".

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار