لم يكن متوقعا أن يأتي أحد أكثر الأسئلة إثارة عن مشروع براين جونسون من الرجل نفسه، فرجل الأعمال الأمريكي الذي جعل من إبطاء الشيخوخة هدفا شخصيا ومشروعا مفتوحا أمام العالم، كتب على منصة إكس جملة قصيرة أثارت تفاعلا واسعا: "أتساءل إن كنت قد أخذت هذا الأمر كله، إطالة العمر، إلى مدى بعيد جدا؟".
لم يعلن جونسون التخلي عن مشروعه، ولم يقل إنه سيتوقف عن تجاربه، لكن كلماته أعادت تسليط الضوء على تجربة الرجل الذي حوّل تفاصيل جسده إلى ملف دائم للقياس والتحسين، وعلى نقاش أكبر حول حدود السعي إلى حياة أطول.
منذ إطلاق مشروعه "بلوبرينت" (Blueprint)، أصبح براين جونسون أحد أشهر وجوه حركة السعي إلى إطالة العمر، بعدما بدأ في توثيق تفاصيل حياته اليومية، من النظام الغذائي والنوم والتمارين إلى الفحوص الطبية المتكررة.
ويقول جونسون إن هدف المشروع هو تحسين مؤشرات مرتبطة بما يسمى "العمر البيولوجي"، وهو مفهوم يستخدمه بعض الباحثين لدراسة مؤشرات مرتبطة بسرعة التقدم في العمر، لكنه لا يمثل عمرا زمنيا بديلا عن عمر الإنسان الحقيقي.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن جونسون ينفق ملايين الدولارات سنويا على مشروعه، الذي يتضمن نظاما غذائيا صارما ومراقبة صحية مكثفة وتجارب شخصية مختلفة تهدف إلى تحسين حالته الصحية.
لكن تدوينته الأخيرة لفتت الانتباه لأنها جاءت من شخص اعتاد تقديم تجربته بوصفها رحلة مستمرة لتحسين الجسد، قبل أن يطرح هذه المرة سؤالا عن مدى هذه الرحلة وحدودها.
جاءت هذه التدوينة بعد أسابيع من كشف جونسون إصابته بالتهاب المعدة المناعي الذاتي، وهو اضطراب يهاجم فيه جهاز المناعة خلايا في بطانة المعدة، وقد يؤثر في قدرة الجسم على امتصاص بعض العناصر الغذائية مثل الحديد وفيتامين "بي 12".
ووصف جونسون حالته بعبارة لافتة، قائلا إن " معدتي تأكل نفسها"، موضحا أن التشخيص جاء بعد سنوات من وجود مؤشرات صحية غير طبيعية قادته الفحوص إلى تفسيرها.
لكن إصابة شخص يخضع لمتابعة صحية مكثفة لا تعني أن نمط حياته أو مشروعه الصحي كان سببا في المرض، فاضطرابات المناعة قد تصيب أشخاصا بمختلف أنماط حياتهم، وقد تبقى غير مكتشفة لفترات طويلة.
المفارقة التي جذبت الانتباه أن رجلا جعل من مراقبة جسده مشروعا دائما وجد نفسه أمام تذكير بأن جسم الإنسان لا يزال أكثر تعقيدا من أي مجموعة من الأرقام والبيانات.
تكمن جاذبية قصة جونسون في أنه لم يتعامل مع صحته باعتبارها شأنا خاصا، بل حولها إلى تجربة يشارك تفاصيلها علنا. ينشر نتائج فحوصه، ويتحدث عن عاداته اليومية، ويقدم نفسه نموذجا لفكرة أن الإنسان يمكنه استخدام العلم والتكنولوجيا لفهم جسده وتحسين صحته.
لكن تجربته تفتح نقاشا يتجاوز شخصه، فالعلم يبحث بالفعل عن طرق لتحسين "العمر الصحي"، أي السنوات التي يعيشها الإنسان بصحة واستقلالية، غير أن فكرة إيقاف الشيخوخة أو الوصول إلى "الخلود البيولوجي" لا تزال خارج ما يستطيع الطب إثباته حاليا.
وهنا تظهر إحدى المعضلات التي تجعل تجربة جونسون مثيرة للاهتمام: فكلما زادت قدرة الإنسان على قياس جسده، زاد السؤال حول مقدار ما يحتاج فعلا إلى مراقبته.
يرى جونسون أن البيانات والتقنيات الحديثة يمكن أن تمنح البشر فهما أفضل لأجسادهم، لكنه يخوض أيضا تجارب شخصية لا تمثل بالضرورة علاجات معتمدة أو توصيات طبية عامة.
فقياس النوم وتحليل مكونات الدم وحساب السعرات ومراقبة المؤشرات الصحية، يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات أفضل، لكن الحياة لا تختزل بالكامل في الأرقام.
فالصحة ليست فقط الوصول إلى مؤشرات مثالية، بل القدرة على العيش بطريقة تمنح الإنسان توازنا وراحة ومعنى.
قد تبدو تجربة رجل أعمال ينفق مبالغ ضخمة على صحته بعيدة عن حياة معظم الناس، لكنها تلامس سؤالا يواجهه كثيرون بدرجات مختلفة: كيف نحافظ على صحتنا دون أن تتحول العناية بالجسد إلى مصدر قلق دائم؟
فالسعي إلى نمط حياة أفضل أمر مفهوم، لكن تحويل كل وجبة وكل ساعة نوم وكل تغير في الجسم إلى ملف مراقبة مستمر قد يغير علاقة الإنسان بجسده، من علاقة رعاية إلى علاقة اختبار لا ينتهي.
ولهذا جذبت تدوينة جونسون الانتباه، ليس لأنها أعلنت نهاية مشروعه، بل لأنها جاءت من شخص دفع فكرة تحسين الإنسان إلى أقصى حدودها.
لا توجد مؤشرات حتى الآن على أن براين جونسون سيتخلى عن مشروع "بلوبرينت" أو يتوقف عن تجاربه.
لكن مجرد طرحه سؤال: "هل أخذت الأمر بعيدا؟" منح قصته زاوية جديدة، فالمعركة التي يخوضها ليست فقط ضد الشيخوخة، بل أيضا حول كيفية التوفيق بين الرغبة في إطالة الحياة وبين القدرة على عيشها.
فربما لا يكون التحدي الأكبر في إضافة سنوات إلى العمر، بل في معرفة كيف تكون تلك السنوات أكثر امتلاء وهدوءا.
المصدر:
الجزيرة