"سبع سنوات مضت منذ اعتُقلت ظلما واحتُجزت رهينة في سجون النظام السوري، واليوم عدت إلى دمشق برفقة زوجتي ناتاشا وابنتنا التي لم تولد بعد".
بهذه الجملة افتتح الناشط والكاتب الأمريكي سام غودوين مقالا نشر مؤخرا وتحدث فيه عن تجربته المريرة في سوريا، التي زارها ضمن رحلته الطويلة لزيارة كل بلدان العالم.
يقول غودوين إن "أحد أكثر الأسئلة شيوعا التي أتلقاها بعد إلقاء الكلمات الرئيسية هو ما إذا كنت سأعود يوما ما إلى سوريا، وعادة ما يطرح السؤال بمزيج متساو من الفضول وعدم التصديق، وكنت أقدم الإجابة ذاتها دوما.. ربما أعود يوما ما، وها قد جاء هذا اليوم".
يضيف غودوين: "عام 2019، وخلال المرحلة الأخيرة من رحلة استمرت عقدا كاملا لزيارة كل دولة في العالم، اعتقلني نظام الأسد واتهمني زورا بأنني جاسوس أمريكي، وقد احتُجزت لتسعة أسابيع، دون أن أعرف ما إذا كان سيُفرَج عني يوما".
يؤكد الكاتب الأمريكي أنه لم يعرف القصة الكاملة لما حدث له إلا بعد عودته إلى وطنه "علمت حينها ما فعلته عائلتي وأصدقائي، إلى جانب مسؤولين حكوميين وصحفيين وحتى قيادات من الفاتيكان وعدد لا يحصى ممن عملوا على تحريري".
أشار غودوين أيضا إلى أن التجربة الصادمة التي مر بها، وضعته أمام خيار السماح لها برسم مستقبله أو تجاوزها والمضي قدما في حياته، مضيفا أنه تمكن بعد نيله حريته من إكمال رحلته وإنهاء زيارة 193 دولة، والحصول على ماجستير ودكتوراه عن الصراع في سوريا، ونشر مذكرات بعنوان "إنقاذ سام".
خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول الماضي، التقى غودوين الرئيس السوري أحمد الشرع، وأمضى معه 45 دقيقة دعاه الشرع خلالها للعودة إلى دمشق.
التقى غودوين خلال فترة احتجازه في سوريا برجال استثنائيين، على حد تعبيره، وأكد أن "بعضهم تقاسم معي الطعام في الزنزانة عندما لم يكن لدي شيء لأكله، وساعدني آخرون في الحصول على نظارة طبية بعد انتهاء صلاحية عدساتي اللاصقة، وبعضهم خاطر بالتعرض للعقاب من أجل تمرير معلومات متعلقة بي بين السجناء، كما ساعدني أحدهم في تهريب رسالة إلى الخارج"، قائلا إن العودة لزيارة سوريا "منحتني الفرصة للقاء كثيرين من أولئك الأشخاص وشكرهم على ما فعلوه معي".
دخل غودوين سوريا قادما من العراق عام 2019، وأقام في مدينة القامشلي الحدودية مع تركيا، الخاضعة حينها لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، باستثناء وسط المدينة أو "المربع الأمني" الذي كان خاضعا لسيطرة نظام الأسد.
واحتُجز الشاب الأمريكي على يد "رجال يرتدون زيا عسكريا" بالقرب من الفندق الذي كان يقيم فيه عندما كان يجري اتصالا عبر تطبيق "فيس تايم" مع والدته في الولايات المتحدة.
قال غودوين إنه اقتِيد إلى قبو في منشأة عرف لاحقا أنها تدعى الفرع 215 التابع للمخابرات العسكرية السورية، لافتا إلى أنه وُضع في زنزانة انفرادية مدة 27 يوما من أصل 63 يوما.
وأكد أن التفاعل البشري الوحيد الذي كان يحظى به يوميا هو ثوان معدودات صباحا ومساء عندما كان الحراس يجلبون له الماء والخبز والبطاطا المسلوقة.
وقال محاموه إنه تعرض للتعذيب خلال فترة احتجازه، إلى جانب جلسات استجواب مطولة تخلل إحداها تهديد المحقق له بتسليمه لـ"تنظيم الدولة" إن أصر على إنكار تهم الجاسوسية الموجهة إليه.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن غودوين ومقربين منه، أن مساعي الإفراج عنه تمت بوساطة من اللواء عباس إبراهيم، المدير العام للأمن العام اللبناني، الذي تواصلت معه عائلة غودوين، بالإضافة إلى جهود مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية ومبعوثين من الفاتيكان وخبراء في شؤون الشرق الأوسط، وآخرين، دون أن يصار إلى نشر تفاصيل متعلقة بالكيفية أو الشروط التي وضعها النظام السوري حينها لقاء الموافقة على الإفراج عنه.
في مايو/أيار 2025، أقر حكم قضائي بحصول غودوين على نحو 20 مليون دولار تعويضا عما حدث معه، وذلك نتيجة للدعوى القضائية التي رُفعت بموجب الاستثناء القانوني الخاص المتعلق بالدول المصنفة أمريكيا على أنها راعية للإرهاب، ضمن قانون الحصانات السيادية الأجنبية.
وتقرر أن يُدفع ما يقارب نصف قيمة التعويض من خلال صندوق ضحايا الإرهاب الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية، ويُموَّل من عائدات العقوبات وغيرها من الغرامات، وقد يحصل غودوين على نسبة معينة من النصف الآخر على مدى عدة سنوات.
وعلق محام من مكتب المحاماة الذي ترافع عن غودوين على الحكم بالقول إن "الدول التي تنتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان يجب أن تواجه العواقب، والناجون الشجعان مثل سام يساعدون على ضمان ألا يتجاهل العالم الفظائع التي ارتكبها نظام الأسد".
في السياق ذاته، قال غودوين إن "هذا الحكم القضائي يتعلق بأكثر مما حدث لي شخصيا، إنه موقف تضامني مع كل من طالته انتهاكات لحقوق الإنسان في أنحاء العالم، وآمل أن يمنح الحكم ضحايا آخرين الشجاعة للتحدث، وأن يكون قبل كل شيء تحذيرا بأن مثل هذه الجرائم لن يتم التسامح معها أو نسيانها".
يقول غودوين في مقاله إنه عندما كتب كتاب "إنقاذ سام" استخدم أسماء مستعارة عند الحديث عمن ساعدوه في محنته، حماية لهم، لافتا إلى أن السعادة غمرته عند عودته إلى سوريا وجلوسه إليهم في دمشق، وضحكهم معا على الأسماء المستعارة التي أطلقها عليهم.
هذه الرحلة أعادتني إلى أماكن لم أتوقع أبدا أن أراها مرة أخرى، عدت إلى السجون التي احتُجزت فيها، وزرت المحكمة التي اتخذت فيها القرارات المتعلقة بمستقبلي
وأضاف سام أن "هذه الرحلة أعادتني إلى أماكن لم أتوقع أبدا أن أراها مرة أخرى، عدت إلى السجون التي احتُجزت فيها، وزرت المحكمة التي اتخذت فيها القرارات المتعلقة بمستقبلي، كما التقيت بأعضاء من البرلمان السوري الجديد يعملون على إعادة بناء بلدهم".
وتابع: "سوريا نفسها تغيرت أيضا، عندما غادرتها في عام 2019 كنت فقدت نحو خمسة كيلوغرامات من وزني، أما اليوم فأشعر -بعد زيارتي- أنني عدت للولايات المتحدة بخمسة كيلوغرامات إضافية من الوزن، بفضل حفاوة وكرم ضيافة السوريين".
ويشير غودوين إلى موقف آخر بقي عالقا في ذاكرته، إذ إن أحد أسباب دخوله سوريا يوم السبت -في عام 2019- هو حضور قداس في صباح اليوم التالي، إلا أن اعتقاله حال دون ذلك "واليوم، بعد سبع سنوات، حضرت أنا وزوجتي ناتاشا قداسا في كنيسة القديس بولس في دمشق القديمة".
يسأل الناس الكاتب الأمريكي ما إذا كان يحمل ضغينة تجاه سوريا، إلا أنه يجيب بالقول: "أحمل ضغينة على ما حدث لي، لا على البلد والشعب، فالبلد ليس حكومته والناس لا يمثلون سياساتها، عودتي إلى سوريا لا تعني نسيان الماضي ولا تهدف لإثبات أي شيء لأي شخص، بل تتعلق برفض السماح للخوف بكتابة الفصل الأخير من الحكاية".
يختم غودوين: "قبل سبع سنوات، لم أكن متأكدا مما إذا كنت سأحظى يوما بالحياة التي كنت آمل بها، أما هذا العام فقد عدت إلى سوريا رفقة المرأة التي أحب، والابنة التي نستعد لاستقبالها قريبا، وبامتنان للتذكير البسيط بأن أيا منا لا يمكنه تخطي أصعب لحظات الحياة بمفرده.. السجون ما زالت موجودة والذكريات كذلك، لكن الكلمة الأخيرة لم تعد رهينة للخوف وعدم اليقين".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة