آخر الأخبار

قهوة غالية الثمن بمذاق ومصدر مذهلين!

شارك

من العجائب أن أغلى فنجان قهوة في العالم لم يخرج من معمل متطور، ولا من مزرعة نموذجية، بل من مجاهل الغابة الاستوائية، وتحديدا من رحلة غريبة عبر أمعاء حيوان صغير ليلي.

هذا ليس مجرد خيال، بل قصة حقيقية لقهوة "كوبي لواك" أو "قهوة ابن عرس" الفيتنامية، ذلك المشروب الذي يثير الدهشة قبل أن يثير حاستي التذوق والشم.

فيما يعرف الجميع القهوة بأنواعها وطرق تحضيرها المختلفة، هناك نوع واحد نادر جدا لا يُزرع ولا يُقطف بالطريقة التقليدية، بل يُجمع من بين فضلات حيوان محدد، وهو ما يجعله غالي الثمن، ويضفي على قصته طابعا من الغموض والإثارة.

كل شيء بدأ بالصدفة في جزر إندونيسيا خلال القرن التاسع عشر، حين كان الاحتلال الهولندي في أوجه. كان المستعمرون يمنعون العمال المحليين من قطف حبوب البن الثمينة لاستخدامهم الشخصي، فالحق في هذا المحصول كان حكرا على السادة الأوروبيين فقط. لكن الطبيعة، كما هي دائما، لا تعترف بقوانين البشر.

هناك، كان حيوان صغير يدعى "زباد النخيل الآسيوي" أو "قط الزباد" يتجول بحرية بين أشجار البن، ويأكل أفضل ثمارها الناضجة دون أن يستأذن أحدا. لاحظ العمال المحرومون شيئا مدهشا: بعد أن يهضم هذا الحيوان لب الثمرة، تخرج حبوب البن من جسده كاملة، مغطاة بفضلاته، لكنها محلاة بشكل سحري.

مصدر الصورة

جرب هؤلاء العمال جمع تلك الحبوب، ثم غسلها وتحميصها بعناية، فاكتشفوا أن القهوة الناتجة تتمتع برائحة استثنائية وطعم ناعم ومتوازن يخلو تماما من المرارة القاسية التي قد تصاحب القهوة العادية. هكذا تحول الظلم الاستعماري والضرورة القسرية إلى أغلى قهوة في التاريخ.

أما القصة الفيتنامية، فهي أكثر إثارة وترتبط بالحقبة الاستعمارية الفرنسية أواخر القرن التاسع عشر. حين جلب الفرنسيون القهوة إلى فيتنام، كانت حبوبها الذهبية حكرا عليهم، بينما مُنع المزارعون المحليون بشدة من تناولها. لكن حيوانات الزباد البرية، تلك الكائنات الليلية الذكية، لم تكن تخضع لأي حظر، وظلت تبحث بحرية عن أفضل ثمار البن وتأكلها. بعد رحلة الهضم العجيبة، كانت تترك الحبوب في البرية.

اكتشف فلاحون فيتناميون أذكياء هذه الحبوب "المهملة"، وبعد تنظيفها وتحميصها، وجدوا بأنفسهم أن المشروب الناتج يتميز بنكهة غنية وناعمة وأقل مرارة بكثير من أي قهوة عادية. ما بدأ كحيلة للالتفاف على الحظر الاستعماري، تحول مع الوقت إلى تراث وعلامة تجارية فاخرة لا يضاهيها سوى القليل.

كيف تحدث هذه المعجزة بالضبط؟ في البرية، تتغذى حيوانات الزباد على كرز البن الناضج، وعندما تصل هذه الحبوب إلى معدتها وأمعائها، تبدأ الإنزيمات الهاضمة عملها. تقوم هذه الإنزيمات بتفكيك البروتينات المسؤولة عن المرارة، وتعديل تركيب الأحماض الأمينية، ما يغير بشكل جذري النكهة والرائحة. تخرج الحبوب بعد ذلك مع الفضلات، ليقوم جامعون متخصصون بالبحث عنها في مناطق تجول الحيوانات، وجمعها، ثم غسلها جيدا وتجفيفها تحت أشعة الشمس قبل تحميصها. هذه العملية الطبيعية صعبة وتحتاج إلى جهد كبير، لأن الحيوانات في البرية انتقائية جدا، ولا تأكل إلا ألذ وأجود الثمار.

مصدر الصورة

مع ازدياد الطلب الهائل على هذه القهوة الفاخرة، ظهرت مزارع متخصصة تحتجز فيها حيوانات الزباد في أقفاص وتغذى بحبوب البن قسرا. هنا تكمن المشكلة الكبرى. الحيوانات المحتجزة تعاني من التوتر ونظام غذائي أقل تنوعا، ولا تستطيع اختيار أفضل الثمار كما تفعل في الغابة. هذا الضغط ينعكس سلبا على جودة عملية التخمير الطبيعية داخل أجسادها، ما جعل منظمات الرفق بالحيوان تنتقد هذه الممارسات بشدة وتطالب بإيقافها.

أما بالنسبة للمذاق المذهل لقهوة "لواك"، فحين تمر الحبوب عبر الجهاز الهضمي لقط الزباد، تخضع بروتيناتها لتفاعل كيميائي يعرف بـ"تفاعل ميلارد"، الذي يمنح القهوة مذاقا ناعما كالحرير ويقلل مرارتها إلى أدنى حد. كما أن بكتيريا الأمعاء والإفرازات الغدائية تضيف لمسات نكهة لا يمكن تقليدها.

من أبرز خصائص هذا المشروب، انعدام المرارة بالكامل تقريبا، مع نكهات كرز قوية ونقية، وأخرى من الشوكولاتة والمكسرات. قد تشعر أيضا بطعم خفيفة من مشروب "الأماريتو" الإيطالي الحلو. قوامه كثيف وغني، ويترك طعما يدوم طويلا في الفم. إذا شربته دون سُكر، ستتذكر طعم الشوكولاتة الداكنة، لكن مع إضافة القليل من السكر، يتحول الطعم إلى الكراميل وشوكولاتة الحليب اللذيذة.

مصدر الصورة

مع ذلك، ليست كل الآراء إيجابية. بعض خبراء القهوة المتخصصين يعتبرون أن طعم "كوبي لواك" ضعيف نسبيا، ويفتقر إلى الحموضة الزاهية والتعقيد المميز للقهوة المختصة عالية الجودة. لكن الدراسات العلمية تؤكد أن تركيبتها فريدة حقا: نسبة بروتين أقل، ما يعني مرارة أقل، ونسبة دهون أعلى، ما يمنحها ذلك القوام الفاخر، بالإضافة إلى نسبة كافيين أقل، تعطي طاقة لطيفة دون توتر مفرط. هذا المزيج الكيميائي لا يمكن محاكاته بدقة بالعمليات الصناعية، رغم محاولات الخبراء إعادة إنتاج نفس التأثير معمليا.

جربوا إطعام حيوانات أخرى بحبوب القهوة، لكن النتيجة كانت مخيبة، وجربوا معالجات كيميائية وإنزيمية متعددة، لكن طعم "لواك" الأصيل لم يحصل عليه أحد سوى من خلال معدة قط الزباد. كل هذا التعقيد والندرة يفسر لماذا يصل سعر الكيلوغرام الواحد من هذه القهوة غالبا إلى 3000 دولار أمريكي، ولربما أكثر. إنه ليس مجرد مشروب، بل قصة كاملة من الظلم، والصدفة، وحذاقة البشر، وسر من أسرار الطبيعة التي لا تزال تمنحنا أغلى هداياها من أكثر الأماكن تواضعا.

المصدر: RT

شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار