في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، تواجه الخصوصية تهديدات متزايدة تتجاوز الهجمات السيبرانية التقليدية، إذ تبرز منظومات صامتة ومعقدة تستمد قوتها من البنية الاقتصادية للبيانات كأحد أخطر التحديات.
فيما يمثل نظام "ويبلوك" نموذجاً حديثاً يعيد صياغة المراقبة العالمية.
فقد أوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، أن "ويبلوك" لا يعتمد على الاختراق التقليدي بل يستغل البيانات الإعلانية المجمعة يومياً عبر التطبيقات والمنصات. وأضاف في تصريحات للعربية.نت/الحدث.نت أن المستخدم يعتقد أن هذه البيانات تهدف لتحسين التصفح أو تخصيص الإعلانات، لكنها في الواقع تُحوّل إلى مادة استخباراتية عالية القيمة ضمن منظومة اقتصادية معقدة.
وتابع قائلاً: "يبدأ العمل من الهاتف الذكي، حيث تجمع التطبيقات بيانات تشمل الموقع الجغرافي، وأنماط الاستخدام، وسلوك التفاعل الرقمي. تنتقل هذه البيانات لاحقاً إلى منصات تداول الإعلانات، لتُحلل وتُباع في مزادات رقمية لحظية عبر نظام "Real-Time Bidding"، لتصبح سلعة متاحة للشراء من قبل جهات مختلفة.
إلى ذلك، أشار رمضان إلى أن نظام "ويبلوك" يتدخل لجمع وشراء هذه البيانات من الأسواق المفتوحة، مستفيداً من كونها قانونية المصدر.
أما الخطورة، فتكمن "في قدرته على تحليلها بتقنيات متقدمة مثل تحليل البيانات الضخمة، والنمذجة السلوكية، والذكاء الجغرافي"، وفق رمضان. وشدد على أن هذه الأدوات تتيح إعادة بناء صورة دقيقة عن حياة المستخدم، تشمل أماكن تواجده، تحركاته اليومية، أنماط سلوكه، وعلاقاته المحتملة. وأضاف أن هذا النموذج يميز قدرته على العمل دون مؤشرات تقليدية للاختراق أو برمجيات خبيثة يمكن رصدها، حيث يتم كل شيء ضمن إطار "قانوني ظاهرياً"، مما يفتح الباب أمام مستويات غير مسبوقة من التتبع.
من جانبه، أعرب اللواء طارق عطية، مساعد أول وزير الداخلية المصري لقطاع الإعلام والعلاقات الأسبق، عن قلقه البالغ من هذا النظام. وأوضح للعربية.ت/الحدث.نت أن هذه الأنظمة لا تكتفي بتحليل الحاضر بل تمتد لمعالجة بيانات تاريخية لسنوات سابقة.
كما لفت إلى أن هذا الأمر يتيح إعادة رسم مسارات حياة الأفراد بدقة زمنية عالية، مع إمكانية التنبؤ بتحركاتهم المستقبلية. يحول هذا الأمر البيانات من سجل رقمي إلى أداة استباقية توظف في سياقات أمنية، استخباراتية، أو اقتصادية. تستخدم جهات إنفاذ القانون ومؤسسات أمنية هذه التقنيات تحت مظلة "الاستخبارات المعتمدة على البيانات التجارية"، وهو نموذج يتحدى المنظومات القانونية غير المصممة للتعامل مع تدفقات البيانات العابرة للحدود.
ورأى عطية أن ويبلوك ليس مجرد أداة تقنية، بل مؤشر على الانتقال لمرحلة "المراقبة القائمة على البيانات"، حيث يصبح المستخدم المصدر الرئيسي للمعلومات التي تتبعه. يتطلب هذا إعادة التفكير في الخصوصية، السيادة الرقمية، وحوكمة البيانات.
كذلك شدد المسؤول الأمني المصري على أن تعزيز الوعي الرقمي ضرورة استراتيجية، تبدأ من إدارة الأذونات الممنوحة للتطبيقات، والحد من مشاركة بيانات الموقع، وتعطيل تخصيص الإعلانات، واختيار تطبيقات تلتزم بمعايير صارمة للخصوصية. وأقر بأن هذه الإجراءات تظل محدودة التأثير في ظل منظومة عالمية تعتمد جوهرياً على جمع وتحليل البيانات.
واعتبر أن قضية "ويبلوك" تكشف واقعاً جديداً لم يعد فيه انتهاك الخصوصية مرتبطاً بأفعال استثنائية، بل أصبح جزءاً من الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث تتداخل المصالح التقنية والأمنية ضمن اقتصاد عالمي معقد، يفقد فيه المستخدم السيطرة الفعلية على بياناته.
المصدر:
العربيّة