يوم 10 مايو (أيار) 1940، باشرت القوات الألمانية تدخلها بالأراضي الفرنسية، معلنة بذلك بداية الحملة العسكرية على فرنسا. ضمن هذه العملية، اتجه الألمان لعبور غابات الأردين (Ardennes) لتجنب خط ماجينو (Maginot) الدفاعي الفرنسي. وفي الأثناء، لم تصمد فرنسا طويلا أمام التقدم الألماني، حيث عرفت انهيارا عسكريا أسفر عن استسلامها وقبولها بشروط هتلر يوم 25 يونيو (حزيران) من العام نفسه.
وتنفيذا لمطالب هتلر، قسمت فرنسا لمنطقة قابعة تحت الاحتلال الألماني وأخرى حرة. وبالمنطقة الحرة، اتخذت الحكومة الفرنسية الجديدة من مدينة فيشي (Vichy) مقرا لها. وقد ترأس وقاد هذه الحكومة كل من المارشال فيليب بيتان (Philippe Pétain) والأميرال فرانسوا دارلان (François Darlan) الذي حصل على منصب نائب رئيس الحكومة وحقائب وزارية أخرى.
أنهى فرانسوا دارلان، المولود عام 1881، دراسته بالمدرسة البحرية بلانفيوك (Lanvéoc) عام 1902 والتحق بنفس الفترة بالبحرية الفرنسية برتبة ضابط. وبفضل مشاركته بالحرب العالمية الأولى، تسلق دارلان هرم الرتب العسكرية قبل أن يصبح في النهاية أميرالا صلب البحرية الفرنسية. وخلال العام 1937، نال فرانسوا دارلان منصب رئيس أركان البحرية الفرنسية.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عقب الغزو الألماني لبولندا، شغل فرانسوا دارلان منصب قائد البحرية الفرنسية. ومع سقوط فرنسا وقبولها بشروط هتلر، اتجه دارلان لتأمين بقاء البحرية الفرنسية وحفاظها على كامل أسطولها. من جهة ثانية، التحق هذا الأميرال بحكومة المارشال فيليب بيتان التي تعاونت مع الألمان أثناء فترة احتلال فرنسا. وبهذه الحكومة، شغل فرانسوا دارلان مناصب قيادية حيث عين وزيرا للبحرية ووزيرا للداخلية ووزير خارجية، كما شغل أيضا لبضعة أشهر منصب وزير الحرب.
خلال العام 1942، تشاءم الألمان من حكومة فيشي واتهموها بالتقصير بمجال التعاون مع المسؤولين الألمان. من جهة ثانية، طالبت برلين بإقصاء فرانسوا دارلان من الحكومة وتعويضه بشخص آخر. وتحت وطأة الضغوطات الألمانية وخوفا من إمكانية تدخل عسكري لاحتلال ما تبقى من فرنسا، قبل فيليب بيتان بمطالب الألمان ووافق على إقصاء فرانسوا دارلان من الحكومة وتعويضه ببيار لافال (Pierre Laval).
ما بين يومي 8 و16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1942، أطلق الأميركيون والبريطانيون عملية الشعلة التي اتجهوا من خلالها لإنزال أعداد كبيرة من قواتهم بسواحل كل من الجزائر والمغرب اللتين كانتا حينها مستعمرتين فرنسيتين. وصدفة، تواجد فرانسوا دارلان حينها بالجزائر. وبالبداية، أيد هذا الأميرال الفرنسي العمليات القتالية التي قادتها القوات الفرنسية الموالية لحكومة فيشي ضد إنزال الحلفاء. وعقب مفاوضات مع مسؤولين أميركيين وبريطانيين، اتخذ فرانسوا دارلان، الذي مثل أهم قائد عسكري فرنسي بالجزائر حينها، قرارا تاريخيا ما بين يومي 10 و11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1942 حيث أمر الأخير كامل القوات الفرنسية بوقف العمليات القتالية والتعاون مع الحلفاء لتنتهي بذلك معركة توقع الأميركيون والبريطانيون استمرارها لأشهر عديدة وتسببها بسقوط عدد كبير من القتلى.
سهّل القرار الذي اتخذه فرانسوا دارلان مهمة الحلفاء بطرد الألمان والإيطاليين من شمال أفريقيا وغزو الجنوب الإيطالي فيما بعد. وفي الأثناء، اتجه الحلفاء لتكريم دارلان على تعاونه معهم وعينوه مسؤولا عن المستعمرات الفرنسية بشمال أفريقيا وقائدا للقوات الفرنسية بالمنطقة. إلى ذلك، أثار هذا القرار غضب العديد من كبار قادة المقاومة الفرنسية الذين أكدوا على تعاون دارلان بالسابق مع النازيين.
استمر فرانسوا دارلان بمنصبه هذا لمدة أسبوعين فقط. فيوم 24 ديسمبر (كانون الأول) 1942، اغتيل الأخير بالجزائر على يد المقاوم الفرنسي والمعارض لحكومة فيشي فرنان بونييه دي لا شابيل (Fernand Bonnier de La Chapelle)، البالغ من العمر 20 سنة، الذي أعدم بدوره بعد يومين فقط.
المصدر:
العربيّة