مع اندلاع جولة جديدة من المواجهة الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية، يتجدد سماع أصوات صافرات الإنذار في طهران وتل أبيب وعدد من المدن العربية المتأثرة بتبعات التصعيد. تعود هذه الأصوات إلى الواجهة، مذكرة بجذور "الآلة" الممتدة لأكثر من قرنين، وبالتحولات التي شهدتها.
قبل ظهور الصافرات الحديثة، اعتمدت المجتمعات قديما على وسائل بدائية للتحذير الجماعي عبر الأبواق النحاسية والطبول التي استخدمت لإبلاغ السكان باقتراب جيوش العدو أو اندلاع الحرائق أو غيرها من الأحداث الطارئة. وفي أوروبا، كانت أجراس الكنائس تستخدم أحيانا للإنذار في أوقات الخطر.
لكن مع تضاعف أعداد السكان واتساع رقعة المدن في عصر الثورة الصناعية، لم تعد هذه الوسائل كافية، فبرزت الحاجة إلى أجهزة قادرة على إصدار صوت أعلى يمكن سماعها من مسافات بعيدة.
وإذا كانت الأبواق والأجراس أدت دور التحذير في المدن القديمة، فإن "الصفارة" شكلت المرحلة الجديدة في تاريخ الإنذار العلني.
تستخدم كلمة "سايرن" (Siren) لوصف صافرات الإنذار الحديثة باللغة الإنجليزية، والتي لم تكن تشير في الأصل إلى جهاز الإنذار، بل إلى كائنات بحرية في الأساطير اليونانية تعرف باسم "عرائس البحر". اشتهرت تلك العرائس بأصواتها الفاتنة التي تغري من خلالها البحارة، وتستدرجهم إلى حتفهم.
هذا الإرث التاريخي استُخدم لاحقا في علم الفيزياء. ففي أواخر القرن الثامن عشر، طور العالم الاسكتلندي جون روبيسون عام 1799 جهازا ميكانيكيا يعتمد على تدفق الهواء عبر ثقوب دوارة لإنتاج صوت ثابت، واستخدم أساسا في التجارب الصوتية والموسيقية.
وبعده بنحو عشرين عاما، أطلق الفيزيائي الفرنسي شارل كانيارد دي لا تور عام 1819 اسم “سايرن” على جهاز مماثل صمّمه لدراسة الذبذبات، مستلهما التسمية من الأصل الأسطوري للكلمة.
بهذا الانتقال، تحولت كلمة "سايرن" من صورة شعرية في إحدى الأساطير اليونانية إلى مصطلح علمي. ولم يكن الهدف "السايرن" آنذاك التحذير من خطر، بل دراسة طبيعة الصوت. غير أن التطور الصناعي واتساع المدن في القرن التاسع عشر مهّدا الطريق لاستخدام هذا الجهاز خارج المختبر، ليتحوّل تدريجيا أداة إنذار علني.
شكلت الحرب العالمية الأولى أول اختبار واسع لاستخدام أجهزة الإنذار -الحديثة آنذاك- في المدن الأوروبية، غير أن النظام تطور بشكل أكبر خلال الحرب العالمية الثانية.
فقد أصبحت صافرات الإنذار جزءا من منظومات الدفاع المدني، تشغل مركزيا عبر شبكات كهربائية، ولكل نغمة معنى محدد يتدرب عليه السكان: من إنذار أولي، إلى الإعلان عن الغارات الجوية، وصولا إلى الإعلان عن انتهاء الخطر. وبهذا أصبحت أصوات صافرات الإنذار "لغة" يفهمها الجميع.
ومع تصاعد التوتر النووي خلال الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي، تطورت الصافرات لتصبح أقوى وأكثر انتشارا. فطرحت شركة "فيدرال سيغنال" (Federal Signal) الأمريكية نماذج ضخمة من الصفارات، من بينها "ثاندر بولت" (Thunderbolt)، التي تميزت بقدرتها على إيصال الصوت لمسافات بعيدة.
كما ظهرت صافرات عالية القدرة مثل "كرايسلر للغارات الجوية" (Chrysler Air-Raid Siren)، التي استخدمت ضمن خطط الدفاع المدني تحسبا لهجوم نووي محتمل.
وبهذا التحول، انتقلت صفارة الإنذار من مرحلة الأجهزة الميكانيكية المثبتة فوق المباني الرئيسية في المدن، إلى منظومة أمن قومي متكاملة.
لا يوجد معيار عالمي موحد لنغمة صافرات الإنذار، لكن معظم الأنظمة تعتمد ترددات عالية ومتموجة ترتفع وتنخفض خلال ثوان. ويعد هذا النمط المقلق أكثر قدرة على جذب الانتباه وإحداث استجابة فورية.
فعندما يتعرض الإنسان لتغير مفاجئ في طبقة الصوت ضمن نطاق مرتفع، يشعر بالقلق، ويزداد معدل ضربات القلب ويتركز الانتباه، في استجابة غريزية مرتبطة بإدراك الخطر. لذلك تتضمن الأنظمة عادة نغمتين أساسيتين: نغمة ثابتة أو متقطعة للتحذير الأولي، وأخرى مموجة طويلة عند وقوع الخطر الفعلي.
وفي السنوات الأخيرة، تطورت أنظمة الإنذار لتتجاوز الصفارات التقليدية، فأصبحت تعتمد على شبكات الهاتف الجوال التي تتيح إرسال تنبيه فوري إلى جميع الهواتف المحمولة ضمن نطاق جغرافي محدد.
هذه التقنية أصبحت جزءا من أنظمة الإنذار المبكر في عدد من الدول، نظرا لقدرتها على الوصول إلى السكان داخل المباني أو في المناطق التي لا يصلها الصوت الخارجي.
رغم انتشار الهواتف الذكية، لا تزال صافرات الإنذار مستخدمة في كثير من الدول، خصوصا في حالات القصف الجوي المفاجئ أو انقطاع الشبكات. فالصوت المباشر يظل وسيلة سريعة لإشعار عدد كبير من السكان في لحظة واحدة.
وبينما تغيرت الوسائط عبر الزمن، بقيت الفكرة الأساسية واحدة وهي إيصال رسالة واضحة إلى أكبر عدد ممكن من الناس في أقصر وقت ممكن بأن "هناك خطر، تحرك الآن".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة