بدأت أولى خطوات إيقاف "ترام الرمل" التاريخي في الإسكندرية تمهيدا لمشروع تطوير شامل يحول الخط الذي تجاوز عمره 150 عاما إلى نظام قطار خفيف يتحكم فيه رقميا.
وتقول السلطات المصرية إن المشروع ضروري لمواجهة الاختناقات المرورية، بينما يراه كثير من سكان الإسكندرية وداعا مؤلما لأحد أبرز المعالم الساحلية للمدينة.
ويمتد خط ترام الرمل مسافة تقارب 14 كيلومترا، ويعد من أقدم خطوط الترام العاملة في العالم وأحد الخطوط القليلة المتبقية التي تستخدم عربات ذات طابقين. وكان صوت قعقعة العربات الخشبية الزرقاء والبيضاء جزءا من إيقاع الحياة اليومي في ثاني أكبر مدن مصر.
انطلقت المرحلة التجريبية لإيقاف الترام في المسافة من محطة فيكتوريا إلى مصطفى كامل، وتستمر حتى 10 فبراير/شباط الجاري، تليها مرحلة إيقاف جزئي لمدة شهر ونصف شهر اعتبارا من 11 فبراير قبل الإيقاف الكلي للمسار من فيكتوريا إلى محطة الرمل في الأول من أبريل/نيسان المقبل.
ولتفادي شلل الطرق، أعلنت وزارة النقل والهيئة القومية للأنفاق عن منظومة نقل بديلة تشمل 153 مركبة تتحرك على ثلاثة مسارات، ومع بدء الإيقاف الكلي في أبريل سيتم تعزيز المنظومة لتصل إلى 206 مركبات مع تحديد محطات توقف معتمدة لمنع التوقف العشوائي.
وأوضحت وزارة النقل أن تطوير الشبكة، بما يشمل مترو الإسكندرية وإعادة تأهيل ترام الرمل، يمثل "الحل الوحيد" لمواجهة الاختناقات المرورية في مدينة تعتمد على طريقين طوليين فقط لربط شرقها بوسطها، وطريق حضري واحد لربط الوسط بالغرب، كما ستسهم المنظومة الجديدة في تقليل التلوث وخفض استهلاك الوقود، فضلا عن توفير فرص عمل أثناء التنفيذ والتشغيل.
ومن المنتظر أن يتكامل ترام الرمل بعد تطويره مع مترو الإسكندرية عند محطتي فيكتوريا وسيدي جابر، لتعزيز تبادل حركة الركاب بين وسائل النقل المختلفة.
بالنسبة لكثير من سكان الإسكندرية لم يكن ترام الرمل مجرد وسيلة مواصلات، بل جزءا من ذاكرة المدينة اليومية. تقول فاطمة حسين (63 عاما)، مهندسة زراعية متقاعدة "هو ليس وسيلة مواصلات فقط، هذه ذكرياتنا. يمكن أن نطوره، لكن لماذا نوقفه ونحرم الموظفين والطلبة؟".
ويستعيد الروائي علاء خالد ذكريات طفولته قرب خط الترام في الإسكندرية، حيث كان ركوبه يتحول إلى لعبة مع والده بالتنقل بين الطابقين لمشاهدة المدينة من زوايا مختلفة، ويضيف قائلا "حتى الآن أركب الترام وأقرأ أو أنظر من الشباك، الترام كاشف لتاريخ المدينة".
وبتذكرة لا تتجاوز خمسة جنيهات (نحو 0.10 دولار) ظل الترام خيارا ميسورا للعمال والطلاب والمتقاعدين رغم ارتفاع تكاليف المعيشة.
تحذر المهندسة المعمارية المتخصصة في التنقل الحضري ياسمين قنديل من أن مشروع القطار الخفيف، لا سيما في الأجزاء التي ستُرفع عن مستوى الشارع لتجاوز التقاطعات، قد يعطي الأولوية للمركبات على المشاة ويؤثر على جماليات المدينة.
وتزيد المخاوف بعد تجربة تعليق خط أبو قير مؤخرا تمهيدا لتحويله إلى مترو، وهو ما أدى بحسب الركاب إلى ازدحام أكبر واضطرارهم للبحث عن بدائل أقل تنظيما.
داخل شبكة الترام يبدو الوداع أكثر قسوة حيث يصف سائق الترام محمود رمضان (52 عاما)، الذي يعمل في هذه المهمة منذ عام 1997، الإيقاف بأنه فقدان لعمر كامل. ويقول "اشتغلت هنا 30 سنة، تعرفت على زوجتي وربنا أكرمني ببيت وأولاد وحياة جميلة. أشعر الآن بوجع لن يفهمه إلا من عاش معنا".
بين وعد السرعة واتساع السعة، وبين حنين الركاب وذاكرة السائقين وفتنة الشوارع القديمة، تقف الإسكندرية عند مفترق طرق بين ترام عتيق يسكن هويتها منذ ستينيات القرن 19، وقطار خفيف تعلق عليه آمال الخلاص من الزحام. وفي الانتظار يحلم السكندريون بغد أكثر كفاءة لا يجرد مدينتهم من روحها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة