في صباح يوم عمل عادي في أي مدينة كبرى، يفتح آلاف السائقين تطبيقات الملاحة بحثا عن الطريق الأقصر والأسرع إلى الوجهة، متبعين الخط الأزرق الذي يعد بتوفير الوقت، لكن المشكلة تبدأ عندما يتخذ آلاف السائقين القرار نفسه في الوقت نفسه.
الطريق الذي يبدو فارغا في لحظة معينة قد يمتلئ سريعا، والشارع المصمم لحركة محلية محدودة قد يتحول إلى ممر لعبور السيارات، فيما ينتقل الاختناق المروري من محور رئيسي إلى تقاطع جانبي أو حي سكني.
ولا تعني هذه المفارقة أن تطبيقات الملاحة تسبب الازدحام دائما، حيث تظهر الدراسات الحديثة أن تأثيرها يتغير بحسب بنية شبكة الطرق، وشدة الطلب، ونسبة المستخدمين الذين يتبعون توصياتها، وطريقة تصميم خوارزمية التوجيه نفسها.
لكن هذه الدراسات تكشف عن جانب أكثر تعقيدا يتجاوز مجرد البحث عن الطريق الأسرع، وهو التباين الفعلي بين اختيار المسار الأمثل لسيارة بمفردها واختيار المسار الأفضل لمدينة بأكملها.
ويجمع تطبيق "غوغل مابس " بين بيانات المرور الحالية والأنماط التاريخية وحالات الطرق المختلفة ونماذج التعلم الآلي للتنبؤ بظروف الطريق، كما قد يستفيد من البيانات الرسمية والمعلومات التي يبلغ عنها المستخدمون، إلى جانب خصائص الطريق نفسها.
وتعمل هذه التطبيقات وفقا لبيانات وخوارزميات وخيارات توجيه خاصة، وقد تتقاطع مصادر المعلومات بين الخدمات، لكنها ليست قاعدة بيانات موحدة تشاركها جميع التطبيقات.
وعندما تطلب مجموعة من السائقين مسارا إلى الوجهة نفسها في الوقت نفسه، تستطيع الخوارزمية أن تجد المسار الذي يبدو أقل كلفة في تلك اللحظة، لكنها تتعامل مع الطلب من منظور الرحلة التي توجهها، وليس من منظور التأثيرات في بقية شبكة الطرق.
يصف مفهوم التوجيه الأناني الحالة التي يختار فيها كل سائق المسار الذي يقلل كلفته الشخصية في شبكة طرق مزدحمة، ويعبر هذا المفهوم عن طريقة اتخاذ القرار رياضيا، حيث يحاول كل سائق تحسين رحلته.
وتميز هندسة النقل بين الخيار الأمثل للفرد والخيار الأمثل للمدينة ككل، حيث يصف الأول الحالة التي يختار فيها كل سائق مساره بأنانية لتحقيق أقل زمن رحلة لنفسه، في حين يصف الثاني الحالة التي يجري فيها توزيع التدفقات بما يقلل إجمالي زمن الرحلات لجميع السيارات في المدينة ككل إلى أدنى حد ممكن.
ويرتبط جوهر المشكلة بالفارق بين الفكرتين، حيث قد يختار كل سائق الطريق المنطقي بالنسبة له، لكن مجموع الاختيارات قد لا يكون بالضرورة أفضل توزيع ممكن لحركة المدينة.
وتشير دراسة بحثية إلى أن تأثير تطبيقات الملاحة يعتمد على نسبة السائقين الذين يعتمدون عليها، حيث أظهرت المحاكاة أن أداء شبكة الطرق قد يتحسن عند مستويات متوسطة من استخدام التوجيه الديناميكي، مع تغير النتيجة مع ارتفاع الاعتماد عليه.
تقدم دراسة منشورة في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) في يوليو/تموز 2026 أحدث صورة لهذه المشكلة، حيث بنى الباحثون نموذجا يحاكي حركة المرور في فلورنسا وميلانو وروما، بالاعتماد على بيانات النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS) وشبكات الطرق وتوصيات خدمات ملاحة متعددة.
وتوصل الباحثون إلى أن زيادة نسبة السائقين الذين يتبعون توصيات تطبيقات الملاحة أدت إلى انخفاض تنوع الطرق المستخدمة، بينما تركز جزء متزايد من حركة المرور والانبعاثات على عدد أقل من الطرق.
وأطلق الباحثون على هذا النمط "تأثير التركز "، ويرتبط باقتراح الخوارزميات طرقا متشابهة جدا لرحلات متشابهة مع عرضها عددا محدودا من الخيارات حتى لو أتيح أكثر من مسار بديل، كما أن خوارزميات الخدمات المنافسة قد تصل إلى حلول متقاربة لأنها تعمل وفق مبادئ تحسين متشابهة.
وعند محاكاة الاعتماد الكامل على التوجيه الخوارزمي، انخفض تنوع المسارات بما يصل إلى نحو 14% مقارنة بعدم اتباع السائقين لتوصيات هذه التطبيقات، مع تفاوت الانخفاض بين المدن والخدمات.
كما أن التأثير لم يكن سلبيا في كل الظروف، حيث وجدت الدراسة أن تطبيقات الملاحة قد تخفض الانبعاثات عند مستويات منخفضة من التبني، لكن هذه الفوائد تتضاءل أو تختفي أو تنعكس عندما يرتفع الاعتماد وتكون شبكة الطرق تحت ضغط مروري كبير.
ويعني ذلك أن المشكلة في أن أعدادا كبيرة جدا من السائقين قد يحصلون على حلول متشابهة جدا، وليست في عدم قدرة الخوارزمية على العثور على طريق بديل.
وفي دراسة منشورة توضح أهمية نسبة تبني التوجيه الخوارزمي، استخدم الباحثون محاكاة مرورية لقياس ما الذي قد يحدث عندما يتبع جزء من السائقين توجيها ديناميكيا عبر تطبيقات الملاحة، بينما يستمر الآخرون في استخدام المسارات التي يعرفونها.
ووجدت الدراسة أن أداء منظومة المرور تحسن عندما تراوحت نسبة مستخدمي التوجيه الديناميكي تقريبا بين 30 و60%ة من السائقين، مع أفضل نسبة عند 40%، لكن هذه النتائج ليست نسبة عالمية يمكن تعميمها على جميع المدن.
يعتمد التخطيط الحضري التقليدي على تصنيف الطرق حسب وظيفتها وقدرتها الاستيعابية، حيث هناك طرق سريعة، وطرق رئيسية، وطرق تجميعية، وطرق سكنية محلية.
لكن هذه التصنيفات والسياقات المحلية لا تدخل دائما بالوزن نفسه في حسابات التوجيه ضمن تطبيقات الملاحة التي تركز على زمن الرحلة وحالة المرور.
وتشير التحليلات المتخصصة إلى أن تطبيقات الملاحة قد تنتج مسارات لا تتوافق دائما مع الوظيفة المحلية للشارع عندما تتركز قرارات التوجيه على مؤشرات السرعة والزمن.
وبرزت هذه الظاهرة في حالات واقعية عديدة، حيث أغلقت بلدة ليونيا بولاية نيوجيرسي شوارع محلية أمام حركة المرور العابرة في ساعات الذروة، مع اتخاذها ترتيبات للسكان والمرور المسموح به.
أما في لوس أنجلوس، فقد اشتكى مسؤولون محليون ضمن حي شيرمان أوكس من تحول بعض الشوارع الضيقة إلى طرق بديلة لمستخدمي تطبيقات الملاحة.
وقال عضو مجلس مدينة لوس أنجلوس آنذاك ديفيد ريو إن أحد الشوارع كان يستقبل، بحسب تقديره، أكثر من 675 سيارة في الساعة نتيجة استخدام تطبيق الملاحة "ويز " (Waze).
وفي شارع باكستر بحي إيكو بارك في لوس أنجلوس، أثارت الزيادة في استخدام الشارع الشديد الانحدار شكاوى من السكان ترتبط بالحوادث والانزلاقات والتصادمات.
وأظهرت دراسة منهجية نشرت في مجلة "بلوس ون " (PLOS ONE) الآثار الاجتماعية السلبية التي ظهرت في الحالات الموثقة بعد تحليل 90 تقريرا صحفيا، مثل زيادة الازدحام، والإزعاج، ومخاطر السلامة، وتضرر الطرق، والتلوث، والحوادث.
قبل ظهور تطبيقات الملاحة بعقود، برزت مفارقة تحمل اسم عالم الرياضيات الألماني ديتر برايس، التي أصبحت من أشهر الأمثلة في نظرية تدفق المرور.
وتشير هذه المفارقة، في صورتها المبسطة، إلى أن إضافة طريق جديد لشبكة طرق قد يرفع زمن الرحلات الإجمالي عندما يندفع جميع السائقين نحو ذلك الطريق في الوقت نفسه استنادا إلى المصلحة الفردية.
وتقدم المفارقة نموذجا رياضيا مهما لفهم الفكرة الأساسية يشير إلى أن تغيير المسارات بصورة فردية قد يغير حالة شبكة الطرق كلها، وربما بطريقة غير متوقعة.
وأظهرت أمثلة حقيقية أن تقليل أو إزالة بعض الطرق قد يحسن بصورة مفاجئة حركة المرور بدلا من أن يفاقمها، حيث شهدت مدينة سول الكورية تسارعا في تدفق الحركة المرورية بعد إزالة طريق سريع بالكامل ضمن مشروع ترميم نهر تشونغي تشون.
وفي عام 1990، توقع الجميع حدوث كارثة مرورية بسبب إغلاق شارع رئيسي في نيويورك احتفالا بيوم الأرض، لكن ما حدث كان العكس تماما، حيث لم تقع كارثة مرورية بالحجم المتوقع رغم إغلاق الشارع، في مثال يستشهد به دوما لشرح هذه المفارقة.
بعض المدن تتجه إلى التعاون مع تطبيقات الملاحة عبر تبادل بيانات الإغلاقات والأعمال المرورية بدلا من منع المسارات التي تقترحها الخوارزميات (أنسبلاش)في يونيو/حزيران 2026، نشرت مجلة "نيتشر سيتيز" (Nature Cities) نتائج تجربة ميدانية نفذها باحثون في "غوغل ريسيرش" وجامعة كاليفورنيا في بيركلي وستانفورد، حيث قدمت أول دليل تجريبي على أن إعادة توجيه نسبة صغيرة من الرحلات قد يحسن كفاءة شبكة الطرق.
وعدلت التجربة، التي استمرت ستة أشهر وشملت نحو 100 طريق مزدحم في كل مدينة من 10 مدن أمريكية كبرى، كلفة بعض المسارات داخل خوارزمية "غوغل مابس " من أجل تشجيع نسبة صغيرة من السائقين على استخدام مسارات بديلة ذات زمن رحلة مماثل.
ووفقا للتجربة، زاد متوسط سرعة السيارات بنسبة 2% عبر الطرق المستهدفة، وتحسنت أوقات الرحلة بنسبة 0.7%، مع انخفاض محتمل في الانبعاثات يتجاوز 1000 طن سنويا لكل مدينة.
وتحث هذه التجربة على البحث عن حل عملي يعتمد على تصميم خوارزميات تأخذ ازدحام شبكة الطرق ككل في الحسبان. وبدلا من أن تقترح الخوارزمية للسائق أسرع طريق له، يمكنها توجيهه إلى طريق مقارب جدا في الزمن، لكنه يساهم في تخفيف الضغط عن طريق يعاني اختناقا شديدا.
في مواجهة هذا الواقع، جربت المدن مسارين متوازيين ومتعارضين أحيانا، وهم المسار التصادمي والمسار التعاوني.
ويعتمد المسار التصادمي على إغلاق الشوارع، وخفض السرعات، وحظر الانعطافات، وإزالة الشوارع من التطبيقات، والتلويح بدعاوى قضائية، وحتى الإبلاغ عن حوادث زائفة في بعض الحالات.
في حين يتمثل المسار التعاوني في برنامج "ويز فور سيتيز" (Waze for Cities) لتبادل البيانات مع البلديات، حيث تحصل المدن الشريكة على بيانات مرورية حية ومجهولة المصدر من مستخدمي التطبيق، مقابل تزويد الشركة ببيانات رسمية عن أعمال الصيانة والحوادث والإغلاقات المخططة. وكانت ريو دي جانيرو من الحالات المبكرة البارزة، قبل أن يشمل التوسع مئات المدن الشريكة حول العالم، لكن هذا التعاون لا يحل إشكالية أن الخوارزمية مصممة لتحسين تجربة الفرد أولا، بصرف النظر عن حجم البيانات التي تحصل عليها من البلديات.
تعديل محدود في قواعد التوجيه الخوارزمي قد يحسن أداء بعض الطرق المزدحمة من دون إعادة توجيه سوى نسبة صغيرة من الرحلات (بيكسلز)ونتيجة لذلك، يطرح الخبراء إمكانية استخدام أدوات اقتصادية، مثل التسعير المروري الديناميكي، الذي يفرض رسوما عند دخول مناطق مزدحمة في أوقات الذروة، بهدف تسعير التكلفة التي يفرضها كل سائق إضافي على المنظومة.
وتعد سنغافورة من أوائل المدن التي طبقت نظام التسعير المروري عام 1975، وتشير الدراسات إلى نجاحها في خفض حجم الحركة داخل المنطقة المستهدفة بنسبة 44%.
في حين سجلت لندن، بعد تطبيقها لنظام التسعير المروري عام 2003، انخفاضا بنسبة 15% في حركة المرور داخل وسط لندن، وتراجعا بنسبة 30% في زمن التأخير، من دون أي انتقال ملحوظ للازدحام نحو الطرق المحلية المحيطة بالمنطقة.
ختاما، وعدت تطبيقات الملاحة بتغيير التنقل وتسريعه وزيادة كفاءته، ونجحت في ذلك على المستوى الفردي إلى حد كبير، لكنها تحولت إلى جزء من المشكلة عندما أصبحت المرجع شبه الوحيد لملايين السائقين، حيث لا ترى الخوارزمية سوى زمن الرحلة الواحدة دون النظر إلى المدينة كمنظومة مترابطة.
ويتطلب الحل إعادة التفكير في العلاقة بين التطبيقات التي تملك البيانات والخوارزميات، والبلديات التي تملك السلطة التنظيمية، والسكان الذين يتحملون التبعات، حيث إن المدينة ليست مجرد شبكة طرق، إنما نسيج عمراني واجتماعي ينبغي أن تخدمه التقنية، وليس العكس.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة