آخر الأخبار

من سيتصفح الإنترنت بدلا منك هذا العام؟ قصة الصراع بين المستخدم و"الوكلاء"

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

منذ ظهور الويب، كان الإنسان هو الطرف الذي يقود التفاعل مع الإنترنت، يبحث عن المعلومات، وينتقل بين المواقع، ويفتح التطبيقات ويتعامل مع واجهات الخدمات لإنجاز المهام. ثم جاءت محركات البحث لتختصر طريق الوصول إلى المحتوى، وتلتها التطبيقات والمنصات التي جعلت الخدمات الرقمية أقرب وأكثر مباشرة.

لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأ يغير هذه العلاقة. فبدل أن يبحث المستخدم بنفسه ويقرر أين يذهب وما الذي يفعله، أصبح بإمكانه أن يطلب ما يريد بلغة طبيعية، تاركا للنموذج مهمة فهم الطلب وصياغة الإجابة. ومع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي، تنتقل الفكرة خطوة أبعد، وهي أن يتولى الوكيل تنفيذ المهمة والتعامل مع الخدمات والأدوات نيابة عن المستخدم.

وهنا يظهر مفهوم "الويب الوكيلي" (Agentic Web)، الذي يشير إلى نموذج يصبح فيه الوكيل طرفا برمجيا فاعلا قادرا على اكتشاف المعلومات والأدوات والخدمات، والتفاعل معها، والتنسيق مع وكلاء آخرين، وتنفيذ مهام نيابة عن المستخدم.

وتوفر بروتوكولات مثل "إم سي بي" (MCP) و"إيه 2 إيه" (A2A) و"إيه جي-يو آي" (AG-UI) بعض اللبنات التقنية لهذا النموذج، لأنها تتعامل مع جوانب مختلفة من العلاقة بين الوكيل والأدوات، وبين الوكلاء بعضهم مع بعض، وبين الوكيل والتطبيق والمستخدم.

وإذا اتسع اعتماد هذه المعايير، فقد لا يصبح الإنسان الطرف الوحيد الذي يتصفح الإنترنت ويتعامل مباشرة مع خدماته، بل يمكن أن يصبح الوكيل وسيطا جديدا بين المستخدم والويب.

مصدر الصورة وكلاء الذكاء الاصطناعي في طريقهم للسيطرة على الإنترنت (شترستوك)

من بروتوكولات الوكلاء إلى بنية ويب جديدة

لا يتعلق التحول ببروتوكول واحد، ولا تؤدي هذه البروتوكولات الوظيفة نفسها، بل تتعامل مع طبقات مختلفة من تفاعل الوكلاء.

فـ "إم سي بي" يتيح للوكيل الوصول إلى الأدوات والبيانات والخدمات الخارجية، بينما يركز "إيه 2 إيه" على التواصل والتنسيق بين وكلاء مختلفين. أما "إيه جي-يو آي" فيتناول العلاقة بين الوكيل والتطبيق وواجهة المستخدم. وتعرض الأدبيات الخاصة بهذه البروتوكولات هذه الأدوار باعتبارها متكاملة أكثر من كونها بدائل متنافسة.

إعلان

وبذلك، لا يعود الوكيل مجرد نموذج يقدم إجابات للمستخدم، بل يصبح جزءا من منظومة يمكنه فيها الوصول إلى الأدوات والبيانات، والتعاون مع وكلاء آخرين، والتفاعل مع التطبيقات والمستخدمين.

عندما يصبح الويب قابلا للاستخدام من قِبل الوكلاء

ولا يقتصر هذا النموذج على تمكين الوكلاء من التواصل فيما بينهم، بل يتطلب أيضا جعل البرمجيات والخدمات الموجودة أصلا على الويب قابلة للتعامل معها من قبلهم.

وهذا ما تتناوله ورقة بحثية بعنوان "إس دبليو-إيه 2-بنش" (SW-A2-Bench)، إذ تبحث في تحويل مستودعات الأكواد البرمجية الموجودة إلى وكلاء برمجية مستقلة، مع اختبار قدرتها على الحفاظ على وظائفها الأصلية والعمل مع وكلاء آخرين ضمن سير عمل متعدد الوكلاء. ويرى الباحثون أن هذه القدرة يمكن أن تسهم في توسيع نطاق "الويب الوكيلي".

وفي اتجاه آخر، تقترح ورقة بحثية بعنوان "إنترنت الذكاء الاصطناعي الوكيلي" (Internet of Agentic AI) إطار شبكة من وكلاء مستقلين ومتخصصين يمكنهم تشكيل مجموعات ديناميكية لتنفيذ مهام محددة، مع إمكانية بناء طبقة تنسيق فوق بروتوكول "إم سي بي". ويعني ذلك في التصور الذي تقدمه الورقة، الانتقال من وكيل يعمل منفردا إلى منظومة يمكن فيها لوكلاء ذوي قدرات مختلفة أن يتعاونوا لإنجاز مهمة واحدة.

وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من أنها تنقل النقاش من إنشاء وكلاء جدد فقط إلى إعادة استخدام البرمجيات والخدمات الموجودة أصلا بطريقة يستطيع الوكلاء اكتشافها والتعامل معها.

وبجمع الفكرتين، تظهر ملامح نموذج مختلف للويب، تتمثل في خدمات وبرمجيات يمكن للوكلاء اكتشافها والتعامل معها، ووكلاء قادرون بدورهم على التعاون وتنسيق المهام فيما بينهم.

ويبدأ هذا التحول في تغيير إحدى أهم وظائف الويب التي اعتاد المستخدمون الاعتماد عليها وهي البحث. فبدل أن يكون المستخدم هو من يبحث عن الخدمة أو المعلومة، يمكن أن يصبح البحث نفسه إحدى الأدوات التي يستدعيها الوكيل أثناء تنفيذ المهمة. وقد بدأت بالفعل تظهر خدمات بحث على الويب مصممة لتكون أدوات يستخدمها الوكلاء، وهو ما يفتح سؤالا حول ما إذا كان محرك البحث سيظل مستقبلا واجهة يصل إليها المستخدم مباشرة، أم سيصبح في جانب منه بنية تحتية تعمل خلف الوكيل.

ماذا يحدث عندما يبحث الوكيل بدل المستخدم؟

تظهر ملامح هذا التحول بالفعل في الطريقة التي يجري بها دمج البحث في منصات الوكلاء، فقد أتاحت "غوغل" ميزة "غرونينغ ويذ باراليل ويب سيرش" (Grounding with Parallel Web Search) ضمن "جيميناي إنتربرايز أجنت بلاتفورم" (Gemini Enterprise Agent Platform) بما يتيح ربط نماذج "جيميناي" ببيانات الويب في الوقت الفعلي والاستناد إلى نتائج بحث تتضمن إحالات إلى المصادر الأصلية.

وقالت الشركة إن الميزة يمكن استخدامها في بناء وكلاء مستقلين قادرين على استرجاع المعلومات من الويب وتنفيذ عمليات برمجية معقدة، إضافة إلى أنظمة متعددة الوكلاء تتبادل نتائج البحث والسياق فيما بينها.

ولا يقتصر هذا الاتجاه على غوغل، ففي 16 يونيو/حزيران 2026، أعلنت "أمازون" الإتاحة العامة لميزة "ويب سيرش" (Web Search) ضمن "أمازون بيدروك أجنت كور" (Amazon Bedrock AgentCore)، وهي أداة تتيح للوكلاء الوصول إلى معلومات حديثة من الويب والاستناد إليها أثناء تنفيذ المهام.

إعلان

والأهم في سياق هذا التحول أن "أمازون" تقدم الأداة بوصفها مكونا مدمجا في "أجنت كور غيت واي" (AgentCore Gateway) باستخدام بروتوكول "إم سي بي"، بحيث يرسل الوكيل استعلامات باللغة الطبيعية ويتلقى نتائج مرتبة تتضمن مقتطفات وروابط وعناوين وتواريخ نشر، ثم يستخدمها في الاستدلال وإنتاج إجابات تستند إلى معلومات حديثة.

واللافت هنا أن البحث لم يعد يقدم فقط باعتباره واجهة يتوجه إليها المستخدم بكتابة استعلام والحصول على قائمة من الروابط، بل باعتباره قدرة يمكن للوكيل استدعاؤها ضمن سير عمل أكبر.

وبذلك، قد يصبح محرك البحث في بعض الاستخدامات جزءا من البنية التي يعمل من خلالها الوكيل، بدل أن يكون نقطة الوصول النهائية للمستخدم إلى الويب.

ويذهب باراغ أغراوال، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "باراليل ويب سيستم" (Parallel Web System)، إلى أن "وكلاء الذكاء الاصطناعي سيستخدمون الويب قريبا بدرجة تفوق بكثير استخدام البشر له"، معتبرا أن ذلك يتطلب بنية تحتية للبحث مصممة خصيصا لطريقة عمل الوكلاء.

مصدر الصورة قد لا يكون التحول إلى الويب الوكيلي نهاية للويب التقليدي (رويترز)

من سيدفع فاتورة الويب إذا توقف المستخدم عن زيارة المواقع؟

إذا أصبح الوكيل هو الطرف الذي يبحث ويقارن ويختار نيابة عن المستخدم، فإن التأثير لن يقتصر على طريقة الوصول إلى المعلومات، بل قد يمتد إلى النموذج الاقتصادي الذي بني عليه جزء كبير من الويب.

ففي دراسة بعنوان "الويب الوكيلي يتطلب بنية تحتية معيارية جديدة" (The Agentic Web Requires New Normative Infrastructure)، ناقش الباحثون كيف يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي أن يصبحوا وسطاء بين المستخدم ومجموعة واسعة من الخدمات، بما يسمح لهم بالبحث والمقارنة والتفاوض وإجراء المعاملات نيابة عنه.

ويرى الباحثون أن هذا التحول قد يؤدي إلى "إزالة الوساطة عن الوسطاء الحاليين" لأن المستخدم قد لا يحتاج في كثير من الحالات إلى زيارة كل منصة أو التفاعل مباشرة مع واجهتها للحصول على الخدمة التي يريدها. ويطرح ذلك تحديا واضحا لنموذج الويب القائم على الزيارات البشرية والإعلانات.

فإذا كان الوكيل هو الذي يقرأ الصفحات ويستخلص المعلومات ويقدم للمستخدم خلاصة أو توصية، فقد لا تصل الإعلانات التقليدية إلى المستخدم بالطريقة التي صممت لأجلها. وفي المقابل، تشير الدراسة إلى إمكانية ظهور نماذج اقتصادية جديدة، مثل ترخيص المحتوى، والدفع مقابل الوصول، والمدفوعات الصغيرة، بحيث يصبح الوكيل نفسه وسيطا في عملية الوصول إلى المحتوى والخدمات.

وبهذا، قد لا يكون التحول إلى الويب الوكيلي نهاية للويب التقليدي، وإنما إعادة توزيع للقيمة داخله، من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على زيارة المستخدم وانتباهه إلى اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على قدرة الوكلاء على الوصول إلى المعلومات والخدمات والتعامل معها نيابة عنه.

من يستحق الائتمان عندما يجيب الوكيل؟

يمتد هذا التأثير أيضا إلى العلاقة بين المستخدم ومنتج المحتوى. ففي الويب التقليدي يصل المستخدم إلى المقال أو الفيديو أو المنتج من خلال واجهة الناشر، وهو ما يتيح لهذا الأخير بناء علاقة مباشرة مع جمهوره والحفاظ على هويته وعلامته التجارية، كما يتيح للمستخدم معرفة مصدر المعلومات التي يستهلكها.

أما عندما يصبح الوكيل هو نقطة الوصول الأساسية، فقد يحصل المستخدم على إجابة أو ملخص مستخلص من عشرات المصادر دون زيارة أي منها مباشرة.

وتناقش الدراسة هذه المشكلة تحت مفهوم "أزمة الإسناد" (Attribution Crisis)، محذرة من أن اعتماد المستخدم المتزايد على الوكلاء قد يجعل من الصعب تتبع مصدر المعلومات، كما قد يضعف قدرة الناشر على الحفاظ على العلاقة المباشرة مع جمهوره.

وهنا لا يتعلق مستقبل الويب الوكيلي فقط بمن يحصل على الإيرادات، بل أيضا بمن يحصل على الائتمان والثقة والانتباه عندما تصبح الإجابة التي يراها المستخدم منفصلة عن الصفحة الأصلية التي أنتجت المعلومات.

إعلان

المواقع لن تختفي.. لكن هل سيتوقف المستخدم عن زيارتها؟

لا تشير هذه التحولات بالضرورة إلى اختفاء المواقع والمنصات، بل إلى احتمال تغير الدور الذي تؤديه في تجربة المستخدم.

فالدراسة نفسها تصف الوكلاء باعتبارهم وسطاء قادرين على العمل عبر خدمات متعددة، والبحث والمقارنة والتفاوض وإجراء المعاملات نيابة عن المستخدم.

ويمكن لهذه القدرة أن تجعل قابلية التشغيل البيني عملية من جانب المستخدم، وأن تخفض تكاليف الانتقال بين الخدمات، وتقلل اعتماده على الإعدادات الافتراضية للمنصات، بما يساعده على التنقل بين ما يسميه الباحثون في الدراسة "الحدائق المسورة".

وفي هذا النموذج، لا يعود المستخدم مضطرا بالضرورة إلى التعامل مع كل خدمة من خلال واجهتها بالطريقة التقليدية، إذ يستطيع الوكيل، بدلا من ذلك، أن يتفاعل مع الخدمات المختلفة نيابة عنه، وفق الهدف الذي حدده المستخدم.

كما تشير الدراسة إلى أن الوكلاء يمكن أن يقدموا واجهة مختلفة للويب، بحيث تكون منظمة حول الأهداف التي يوافق عليها المستخدم بدلا من التفاعل الذي تسعى المنصة إلى تعظيمه لمصلحتها.

وبذلك، قد لا يكون مستقبل الويب قائما على اختفاء المواقع، وإنما على تغير موقعها في سلسلة التفاعل، من واجهات يتعامل معها المستخدم مباشرة في كل خطوة، إلى خطوات ومحتوى يمكن للوكلاء الوصول إليها واستخدامها لتحقيق أهداف المستخدم.

هل يحرر الوكلاء الويب أم يبنون حدائق مسوّرة جديدة؟

في النهاية، قد يقود انتقال التفاعل من المستخدم إلى الوكيل إلى نتيجتين مختلفتين. فمن جهة، يمكن للوكلاء أن يجعلوا الويب أكثر انفتاحا، من خلال تمكين المستخدم من الانتقال بين الخدمات المختلفة والتعامل معها عبر وسيط يعمل لمصلحته، بدل أن يبقى مرتبطا بواجهة كل منصة وحديقتها المسورة.

ومن جهة أخرى، قد تحاول المنصات نقل سيطرتها إلى مستوى الوكلاء أنفسهم، عبر حظر الوكلاء الخارجيين أو تفضيل وكلائها الخاصة، مما قد يؤدي إلى ظهور حدائق مسورة جديدة حول الوكلاء بدل اختفائها.

وهنا، تصبح المسألة أكبر من مجرد تطور تقني. فإذا كان الوكيل هو الطرف الذي يكتشف الخدمات ويقارن بينها ويصل إليها وينفذ المهام نيابة عن المستخدم، فإن الأسئلة تصبح أكثر انفتاحا من مدى قدرة الوكيل على استخدام الويب، إلى من يتحكم في هذا الوكيل، ومن يحدد ما يستطيع الوصول إليه، ومن يملك العلاقة بين الوكيل والمستخدم والخدمة؟

مستقبل "الويب الوكيلي" لا يتحدد بالتطور التقني وحده، بل بالقواعد التي تنظم العلاقة بين المستخدم والوكيل والمنصة، وبمدى حماية التفويض والشفافية والتشغيل البيني.

فقد لا تختفي المواقع، وقد لا تختفي محركات البحث، وقد لا يتوقف البشر عن استخدام واجهات الويب، لكن موقع كل طرف في عملية الوصول إلى الإنترنت يمكن أن يتغير.

وفي هذا السيناريو، قد يكون التحول الأكبر أن الويب لن يعود مصمما فقط ليقرأه الإنسان ويتفاعل معه، بل سيصبح أيضا بنية تستطيع البرمجيات اكتشافها وفهمها واستخدامها والتفاوض معها.

وهنا يكمن جوهر "الويب الوكيلي"، ليس في أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان في تصفح الإنترنت، بل في أن يصبح الوكيل طبقة جديدة بين الإنسان والويب، تعيد تعريف الطريقة التي نكتشف بها المعلومات والخدمات ونستخدمها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار