آخر الأخبار

كيف هيمنت الصين على سوق السيارات الكهربائية عالميا؟

شارك

لم يكن التنافس في صناعة السيارات الكهربائية يدور حول تصميم المركبات أو زيادة مدى القيادة فحسب، بل أصبح سباقا للسيطرة على سلسلة القيمة بأكملها، بدءا من استخراج المعادن النادرة، مرورا بإنتاج البطاريات والبرمجيات، وصولا إلى التصنيع والتصدير.

وفي هذا السباق، نجحت الصين خلال أقل من عقدين في التحول من لاعب متأخر في صناعة السيارات التقليدية إلى القوة الأكثر تأثيرا في سوق السيارات الكهربائية العالمية، متقدمة على منافسين تاريخيين في أوروبا والولايات المتحدة واليابان، حيث يؤكد خبراء الطاقة أن هذا التفوق لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إستراتيجية صناعية متكاملة استثمرت فيها بكين لعقود.

مصدر الصورة التفوق جاء نتيجة إستراتيجية صناعية متكاملة استثمرت فيها بكين لعقود (الفرنسية)

إستراتيجية بدأت قبل أن يولد السوق

مع بداية الألفية الجديدة، أدركت الحكومة الصينية أن اللحاق بالدول الغربية في محركات الاحتراق الداخلي سيكون مهمة صعبة، لذلك اتجهت إلى الرهان على السيارات الكهربائية باعتبارها صناعة جديدة يمكنها تغيير قواعد المنافسة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "ميوز كود".. ميتا تدخل سباق البرمجة المستقلة وتضرب أسعار المنافسين
* list 2 of 2 غوغل تحوّل الخرائط إلى رفيق ذكي أثناء القيادة end of list

وضعت بكين سياسات صناعية طويلة الأجل تضمنت دعما ماليا للمستهلكين، وإعفاءات ضريبية، واستثمارات ضخمة في البحث والتطوير، إلى جانب تشجيع الحكومات المحلية على نشر البنية التحتية لمحطات الشحن.

كما فرضت معايير إنتاج وحصصا للمركبات الكهربائية دفعت شركات السيارات المحلية إلى تسريع الابتكار بدلا من الاعتماد على السيارات التقليدية، وقد ساعدت هذه السياسات على خلق أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، ما منح الشركات الصينية ميزة اقتصاديات الحجم التي يصعب على المنافسين مجاراتها.

البطاريات.. سر الهيمنة الحقيقي

إذا كانت البطارية تمثل "قلب" السيارة الكهربائية، فإن الصين نجحت في السيطرة على هذا القلب، ووفقا لتقرير آفاق المركبات الكهربائية العالمية (Global EV Outlook) الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الصين على أكثر من 80% من إنتاج خلايا البطاريات عالميا خلال عام 2025، كما تهيمن على إنتاج المواد الأساسية الداخلة في تصنيع البطاريات، بما في ذلك نحو 85% من مواد الكاثود (Cathode) وأكثر من 90% من مواد الأنود (Anode) المستخدمة عالميا.

إعلان

وتقود هذا القطاع شركات عملاقة مثل سي إيه تي إل (CATL) وبي واي دي (BYD)، اللتان أصبحتا موردين رئيسيين للبطاريات لكثير من شركات السيارات العالمية، ولم يعد دورهما مقتصرا على السوق الصينية فقط.

السيطرة على سلسلة التوريد

لا تقتصر قوة الصين على تصنيع البطاريات، بل تمتد إلى معظم حلقات سلسلة الإمداد، فقد استثمرت الشركات الصينية خلال السنوات الماضية في مناجم الليثيوم والنيكل والكوبالت داخل الصين وخارجها، خاصة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا، كما عززت قدراتها في تكرير هذه المعادن وتحويلها إلى مواد جاهزة للإنتاج الصناعي.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تكرر نحو ثلثي الليثيوم العالمي، كما تمتلك موقعا مهيمنا في معالجة النيكل والغرافيت، وهو ما يمنح شركاتها استقرارا في الإمدادات وتكاليف إنتاج أقل مقارنة بالمنافسين.

مصدر الصورة الحكومة الصينية استثمرت مليارات الدولارات في دعم الشركات، والبحث والتطوير، والبنية التحتية لمحطات الشحن (الفرنسية)

التصنيع واسع النطاق يخفض الأسعار

أحد أهم أسباب تفوق الصين يتمثل في قدرتها على الإنتاج الضخم، فالسوق المحلية، التي تعد الأكبر عالميا، وفرت للشركات ملايين العملاء سنويا، ما سمح بخفض تكاليف الإنتاج وتحقيق وفورات الحجم. كما أدت المنافسة الشديدة بين عشرات الشركات الصينية إلى ضغط هوامش الأرباح، لكنها في المقابل سرعت الابتكار وخفضت أسعار السيارات.

وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن أسعار حزم البطاريات انخفضت في الصين بنحو 30% خلال عام 2024، مقارنة بانخفاض تراوح بين 10 و15% فقط في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما منح الشركات الصينية أفضلية سعرية يصعب منافستها.

السيارة أصبحت منصة رقمية

لم تركز الشركات الصينية على المحرك الكهربائي وحده، بل أعادت تعريف السيارة باعتبارها جهازا رقميا متصلا، فمعظم الطرازات الجديدة توفر تحديثات برمجية عبر الإنترنت، وأنظمة قيادة ذكية، ومساعدات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وشاشات كبيرة تعمل بأنظمة تشغيل متقدمة، إضافة إلى تكامل واسع مع الهواتف الذكية والخدمات السحابية.

هذا الدمج بين البرمجيات والإلكترونيات وصناعة السيارات منح الشركات الصينية قدرة على طرح مزايا جديدة بوتيرة أسرع من كثير من الشركات التقليدية.

من السوق المحلية إلى العالمية

بعد ترسيخ وجودها داخل الصين، بدأت الشركات الصينية التوسع في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.

وتحقق علامات مثل بي واي دي وإم جي (MG) ونيو (NIO) وإكس بنغ (XPeng) نموا متسارعا في الأسواق الخارجية، مستفيدة من أسعار تنافسية وتقنيات حديثة. كما سجلت بي واي دي خلال عام 2026 مستويات قياسية في صادراتها، في مؤشر على تسارع انتشار السيارات الصينية عالميا.

مصدر الصورة الشركات الصينية تهيمن على جزء كبير من صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وسلاسل توريد مكوناتها (رويترز)

تحديات قد تبطئ المسيرة

ورغم هذا التفوق، تواجه الصين تحديات متزايدة، أبرزها الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على السيارات الكهربائية الصينية، إلى جانب محاولات الغرب بناء سلاسل توريد مستقلة وتقليل الاعتماد على المكونات الصينية.

كما أن المنافسة السعرية الحادة داخل السوق الصينية نفسها أثرت في ربحية كثير من الشركات، وأجبرت بعضها على الاندماج أو الخروج من السوق.

إعلان

فيما تشير المؤشرات إلى أن المنافسة المقبلة لن تقتصر على عدد السيارات المباعة، بل ستمتد إلى تقنيات البطاريات الصلبة، وبطاريات الصوديوم، والقيادة الذاتية، والذكاء الاصطناعي داخل المركبات.

لكن حتى مع تسارع الاستثمارات الأمريكية والأوروبية في هذا القطاع، لا تزال الصين تمتلك أفضلية واضحة بفضل تكامل منظومتها الصناعية، وهيمنتها على البطاريات، وسلاسل التوريد، والقدرة على التصنيع واسع النطاق. ولهذا، لا تُعد الصين اليوم أكبر منتج للسيارات الكهربائية فحسب، بل أصبحت أيضا اللاعب الأكثر تأثيرا في رسم مستقبل صناعة النقل الكهربائي عالميا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار