في الوقت الذي تشتعل فيه حرائق الغابات في مناطق واسعة من أوروبا، بدأت التكنولوجيا تلعب دورًا جديدًا في المعركة ضد النيران، بعدما دخل الذكاء الاصطناعي على خط المواجهة للمساعدة في اكتشاف الحرائق قبل أن تتحول إلى كوارث يصعب السيطرة عليها.
وخلال هذا الصيف، أجبرت حرائق الغابات مئات الآلاف على إخلاء منازلهم في فرنسا وإسبانيا والبرتغال، فيما واصلت فرق الإطفاء مواجهة ألسنة اللهب التي اجتاحت الغابات والمناطق الريفية، وقد بدأت مناطق في فرنسا الاعتماد على كاميرات مزودة بالذكاء الاصطناعي، لمراقبة الغابات ورصد بداية اندلاع الحرائق، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
لسنوات طويلة، اعتمدت فرق الإطفاء على مراقبين بشريين في أبراج منتشرة داخل المناطق الحرجية لرصد أي علامات على اندلاع النيران، لكن هذه الطريقة بدأت تتغير مع دخول الكاميرات الذكية التي تستطيع متابعة مساحات واسعة وتحليل ما تراه لحظة بلحظة.
ونقلت بي بي سي عن غيوم ميليه، وهو رجل إطفاء في منطقة جيروند الفرنسية، التي كانت من أكثر المناطق تضررًا من الحرائق هذا الصيف، إن التكنولوجيا غيرت بشكل كبير طريقة اكتشاف الحرائق، موضحًا أن الكاميرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت تراقب الغابات وتحدد أماكن بداية اشتعال النيران.
وأضاف ميليه أن هذه الكاميرات ساعدت على تقليل الإنذارات الخاطئة، إذ تستطيع التمييز بدرجة كبيرة بين الدخان الناتج عن حريق حقيقي وبين الغبار الذي قد تثيره حركة الجرارات في الحقول، كما يمكنها اكتشاف الحرائق على بعد يصل إلى 20 كيلومترًا.
وفي نظام طورته شركات متخصصة، تصل تنبيهات فورية إلى هواتف رجال الإطفاء بمجرد رصد حريق، ليتمكنوا من مشاهدة ما تلتقطه الكاميرات مع تكبير الصورة، إلى جانب خرائط تحدد موقع النيران والمناطق القريبة منها، وتقديرات لكيفية انتشارها اعتمادًا على الطقس والرطوبة.
وأكد جان سيمون شودييه، الرئيس التنفيذي لشركة "FireTracking"، أن اكتشاف الحريق قبل انتشاره بفترة قصيرة قد يصنع الفارق بين السيطرة عليه وتحوله إلى كارثة، مشيرًا إلى أن النظام تمكن في بعض الحالات من اكتشاف حرائق قبل وصول أول بلاغات عنها بـ15 دقيقة.
وأوضح أن سرعة التدخل أمر حاسم، إذ إن الحريق في بدايته يمكن إخماده بسهولة، لكن كل دقيقة تمر تزيد من صعوبة السيطرة عليه وتحتاج إلى معدات أكبر وطائرات متخصصة.
ورغم التطور الكبير في أدوات الرصد، فلا تزال التكنولوجيا تؤدي دور المساعدة فقط، إذ يؤكد رجال الإطفاء أن الذكاء الاصطناعي يستطيع اكتشاف الحرائق لكنه لا يستطيع إخمادها.
وقال ميليه إن التكنولوجيا مفيدة في مرحلة الكشف المبكر، لكنها لا تزال بحاجة إلى فرق على الأرض لسحب الخراطيم ومواجهة النيران مباشرة داخل الغابات، موضحًا أنه حتى الطائرات التي تلقي آلاف اللترات من المياه لا تنهي المهمة وحدها، بل تمهد الطريق لرجال الإطفاء لاستكمال السيطرة على الحريق.
ومع استمرار تطوير تقنيات جديدة، تختبر فرنسا طائرات مسيرة مزودة بكاميرات لمراقبة المناطق الحرجية بشكل متواصل، كما يجري العمل على أنظمة تعتمد على أجهزة استشعار توضع بين الأشجار لرصد الغازات التي تسبق ظهور ألسنة اللهب.
لكن رغم دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة مكافحة الحرائق، تبقى المواجهة النهائية مع النيران معتمدة على العنصر البشري، فالتكنولوجيا قد تنبه إلى الخطر مبكرًا، لكنها لا تزال لا تستطيع حمل الخراطيم ومواجهة ألسنة اللهب.
المصدر:
العربيّة