آخر الأخبار

"خبير ديكور" داخل هاتفك.. ثورة الذكاء الاصطناعي تصل إلى المنازل

شارك

لم يعد تصميم المنازل وتأثيثها حكرا على مكاتب الديكور الفارهة، ولا رهينا بكتالوجات ورقية طالما تسببت في قرارات مكلفة عند التنفيذ. ففي السنوات الأخيرة، قادت التكنولوجيا تحولا هادئا لكنه عميق في طريقة تعامل الناس، والنساء خصوصا، مع المساحات المنزلية، بعدما تحولت تطبيقات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز إلى ما يشبه "خبير ديكور رقمي" يعمل على مدار الساعة داخل الهاتف الذكي.

وتشير بيانات الجمعية الوطنية لبناة المنازل في الولايات المتحدة (NAHB) إلى أن النساء يؤثرن في النسبة الأكبر من قرارات تصميم وتأثيث المنازل، وهو ما دفع شركات التكنولوجيا والأثاث إلى الاستثمار بكثافة في أدوات تصميم سهلة وسريعة تستهدف هذه الفئة تحديدا.

هذا التداخل بين النفوذ الاستهلاكي النسائي والتطور التقني أنتج مفهوما جديدا بالكامل، وهو "الديكور الرقمي"، حيث لم يعد تصميم المنزل يبدأ من زيارة معارض الأثاث، بل من شاشة الهاتف عبر تطبيقات قادرة على اقتراح الألوان وإعادة توزيع الأثاث ومحاكاة الإضاءة وحتى فهم الذوق الشخصي للمستخدمين.

مصدر الصورة الذكاء الاصطناعي ألغى مفهوم "أخطاء القياس والألوان" التي طالما استنزفت ميزانيات الأسر عند التأثيث (شترستوك)

من الصور الجامدة إلى "الواقع التفاعلي"

في الماضي، كانت رحلة البحث عن ديكور مثالي تبدأ من المجلات المتخصصة وتنتهي غالبا بحيرة بين عينات الطلاء الصغيرة أو صور الأثاث غير الواقعية، وحتى مع ظهور منصات مثل بنترست (Pinterest)، بقيت الأفكار محصورة داخل صور ثنائية الأبعاد يصعب إسقاطها فعليا على المنزل الحقيقي.

لكن التحول الأكبر بدأ مع نضوج تقنيات "الواقع المعزز" (AR) والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث أصبحت التطبيقات قادرة على دمج العناصر الافتراضية داخل الغرف الحقيقية عبر كاميرا الهاتف.

ووفقا لتقرير صادر عن غارتنر (Gartner) الأمريكية للأبحاث، أسهمت تطبيقات المعاينة الافتراضية المعتمدة على الواقع المعزز في خفض معدلات إرجاع الأثاث والمستلزمات المنزلية بنسبة وصلت إلى 35% عالميا، لأن المستخدم أصبح يرى القطعة داخل منزله قبل الشراء بدل الاعتماد على التخيل فقط.

إعلان

وهذه التقنية سمحت للمستخدمين بمعاينة الأريكة أو السجاد أو وحدات الإضاءة داخل الغرفة بدقة شبه واقعية، مع مراعاة الأبعاد والظلال والإضاءة الطبيعية، وهو ما غير جذريا طريقة اتخاذ القرار الشرائي.

لماذا التوجه نحو الديكور الرقمي؟

السبب لا يتعلق فقط بسهولة الاستخدام، بل بطبيعة التجربة نفسها. فالتطبيقات الحديثة حولت التصميم الداخلي إلى تجربة تفاعلية ممتعة، تسمح بتجربة أنماط مختلفة مثل "الإسكندنافي"، و"البوهيمي"، و"المينيمال"، و"جاباندي" بضغطة واحدة فقط، دون الحاجة إلى أي خبرة هندسية أو تقنية.

كما تمنح هذه الأدوات حرية التجربة دون تكلفة حقيقية أو خوف من اتخاذ قرار خاطئ، وهي نقطة جذبت شريحة واسعة من النساء اللواتي يبحثن عن تجديد منازلهن بميزانيات محدودة.

وذكرت منصة أبارتمنت ثيرابي (Apartment Therapy) الأمريكية، بعد تجربة عملية لعدد من أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالديكور، أن هذه التطبيقات تساعد المستخدم على "رؤية النتيجة قبل التنفيذ"، وهو ما يقلل التردد ويجعل قرارات التصميم أكثر وضوحا.

مصدر الصورة أدوات المعاينة الافتراضية أسهمت في خفض معدلات إرجاع الأثاث بنسبة تصل إلى 35% عالميا (شترستوك)

التطبيقات التي غيرت قواعد اللعبة

خلال الأعوام الأخيرة، ظهرت عشرات التطبيقات التي تحاول تحويل الهاتف إلى "مهندس ديكور شخصي"، لكن بعض الأسماء برزت بشكل واضح داخل هذا السوق المتنامي.

ويعد تطبيق بلانر 5 دي (Planner 5D) من أكثر الخيارات انتشارا، إذ يوفر إمكانية رسم المساقط ثنائية وثلاثية الأبعاد، مع تصيير واقعي عالي الجودة، كما يستطيع التعرف على أبعاد الغرفة انطلاقا من صورة واحدة فقط.

أما هوم ستايلر (Homestyler)، المملوك لشركة أوتوديسك (Autodesk) الأمريكية، فيتيح تصميم الغرف باستخدام مكتبة ضخمة من الأثاث الحقيقي المرتبط بعلامات تجارية فعلية، مما يسمح للمستخدم بالانتقال من التصميم إلى الشراء مباشرة.

وفي المقابل، تركز تطبيقات مثل بينت إت إيه آي (Paintit.ai) على تبسيط التجربة، عبر اقتراح تصاميم وألوان جاهزة تناسب طبيعة الغرفة والإضاءة، دون الحاجة للدخول في إعدادات تقنية معقدة.

الذكاء الاصطناعي يفهم "ذوقك" الشخصي

الميزة الأهم التي جعلت التكنولوجيا تتحول إلى "خبيرة تصميم شخصية" هي قدرتها على التعلم من سلوك المستخدم. فعندما تختار المستخدمة ألوانا معينة أو تميل إلى أنماط تصميم محددة، تبدأ الخوارزميات بتحليل هذه الاختيارات وبناء ملف ذوقي رقمي يساعد على تقديم اقتراحات أكثر دقة مستقبلا.

وتشير دراسة بحثية حديثة بعنوان "آيديد" (AIDED) إلى أن الجيل الجديد من أدوات التصميم لا يعتمد فقط على الصور، بل يحاول فهم "التجربة الشعورية" للمستخدم داخل المكان، من خلال تحليل التفضيلات والسلوك البصري أثناء اختيار التصاميم.

هذا التطور يعني أن أدوات التصميم لم تعد تقدم مجرد صور جميلة، بل أصبحت تحاول فهم مفهوم الراحة النفسية داخل المنزل، وهي نقطة شديدة الأهمية في عالم الديكور.

عمالقة الأثاث والطلاء يدخلون السباق

هذا التحول لم يكن بعيدا عن أعين الشركات العالمية الكبرى. فشركة آيكيا (IKEA) أطلقت ميزة "آيكيا كريتيف" (IKEA Kreativ)، وهي أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية لمسح الغرف وإعادة تصميمها افتراضيا بأثاث الشركة.

إعلان

ولا تكتفي الأداة بإضافة الأثاث كصور ثابتة، بل تفهم أبعاد الغرفة والعمق والظلال، مما يجعل القطع تبدو وكأنها موجودة فعليا داخل المكان.

كما وفرت شركات دهانات عالمية مثل جوتن (Jotun) النرويجية وبنجامين مور (Benjamin Moore) الأمريكية تطبيقات ذكية تسمح بتغيير ألوان الجدران افتراضيا عبر كاميرا الهاتف، مع محاكاة دقيقة لتفاعل اللون مع الإضاءة الطبيعية والصناعية.

وهذه الأدوات أنهت واحدة من أكثر المعضلات شيوعا في عالم الديكور، وهي "الخوف من اختيار لون خاطئ".

مصدر الصورة الديكور الرقمي يترجم الذوق الخاص للمستخدم دون فرض نمط معين من مهندس خارجي (شترستوك)

هل تهدد التكنولوجيا مهندسي الديكور؟

رغم هذا التقدم، يؤكد خبراء التصميم أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أداة مساعدة أكثر من كونه بديلا كاملا للمصمم البشري. فبحسب تقرير نشرته مجلة بيتر هومز أند غاردنز (Better Homes & Gardens) الأمريكية، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي إنشاء تصورات بصرية مذهلة واقتراح أفكار مبتكرة، لكنها غالبا لا تأخذ بعين الاعتبار التفاصيل الهندسية المعقدة مثل التمديدات الكهربائية، والقياسات الواقعية، ومتطلبات التنفيذ الفعلية.

كما أن بعض التطبيقات تنتج أحيانا تصاميم مثالية أكثر من اللازم، يصعب تنفيذها عمليا داخل المساحات الصغيرة أو الميزانيات المحدودة.

ويرى مختصون أن المستقبل الأقرب سيكون قائما على التعاون بين المصمم البشري والذكاء الاصطناعي، بدل الاستبدال الكامل.

هل أصبح الذوق موحدا؟

إضافة إلى ذلك، بدأت بعض الأصوات داخل قطاع التصميم تحذر من جانب آخر أقل وضوحا. فالاعتماد المتزايد على الخوارزميات نفسها قد يؤدي تدريجيا إلى تشابه المنازل عالميا، لأن التطبيقات تميل إلى اقتراح الأنماط الرائجة والمتكررة بناء على البيانات الأكثر شعبية.

وبدل تطوير هوية بصرية خاصة بكل منزل، قد يجد المستخدم نفسه يتحرك داخل ذوق جماعي تصنعه الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي. وهنا تظهر المفارقة، فبينما تمنح التكنولوجيا حرية تصميم غير مسبوقة، فإنها قد تدفع في الوقت نفسه نحو نمط بصري موحد عالميا.

مصدر الصورة التكنولوجيا تحولت إلى شريك إبداعي مرن أعاد صياغة وتشكيل المساحات الشخصية بأقل جهد وأعلى كفاءة (شترستوك)

أكثر من مجرد ديكور

لكن الأهم من التطبيقات والأرقام، هو ما تعكسه هذه الثورة على المستوى الاجتماعي والثقافي. فالمرأة العربية، التي ظلت في كثير من السياقات صاحبة القرار الأول في تأثيث المنزل وتنظيمه، كانت تقف لسنوات أمام معادلة صعبة، وهي إما الاعتماد على ذوق الآخرين، أو دفع تكاليف مرتفعة للاستعانة بمصمم محترف.

أما اليوم، فأصبحت أدوات التصميم الذكية تمنحها قدرة أكبر على التجربة واتخاذ القرار بثقة واستقلالية، مع إمكانية رؤية النتيجة النهائية قبل تنفيذ أي تغيير فعلي، فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث عن الإلهام، بل تحول إلى شريك رقمي يختصر الوقت والتكلفة ويقترح الحلول ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومساحته المنزلية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار