أعلنت شركة ديب سيك (DeepSeek) الصينية عن إطلاق نموذجها الرائد "ديب سيك في-4" (DeepSeek-V4)، بعد عام كامل من الترقب والحذر الذي خيم على مشهد الذكاء الاصطناعي في الصين عقب واحدة من أكثر الهجمات السيبرانية إثارة للجدل.
وبحسب الشركة، فإن هذا الإطلاق لا يمثل مجرد تحديث تقني، بل هو محاولة لإعادة تعريف موازين القوى بين النماذج مفتوحة المصدر والمغلقة، وخطوة استراتيجية لاستعادة الثقة المفقودة.
وكشفت التقارير التقنية الصادرة عن مختبرات الشركة في بكين أن ديب سيك في-4 يعتمد على معمارية مبتكرة تدعى "معمارية ذاكرة إنغرام" (Engram memory architecture).
وبحسب الورقة البحثية المنشورة على منصة أركايف (arXiv) الأمريكية بالتزامن مع الإطلاق، فإن هذه المعمارية تتيح للنموذج استدعاء المعلومات من سياق ضخم يصل إلى مليون توكن (1M Context Window) دون فقدان الدقة في "الاسترجاع"، وهي المعضلة التي عانت منها نماذج سابقة.
أبرز المواصفات الفنية للنظام الجديد:
وبحسب المراقبين فإنه لا يمكن قراءة إطلاق "في 4" بمعزل عن حادثة يناير/كانون الثاني عام 2025 الماضي. فوفقا لتقرير أمني نشرته شركة "ويز" الأمريكية للأمن السيبراني العام الماضي، تعرضت ديب سيك لاختراق ناتج عن ثغرة في إحدى قواعد البيانات، مما أدى لتسريب محادثات وسجلات مستخدمين.
وردا على ذلك، أشار المؤسس التقني للشركة ليانغ وينهو في تدوينة رسمية أن "في4" هو أول نموذج يتم تدريبه وبناؤه على بيئة مشفرة بالكامل تعتمد على بروتوكولات "صفر ثقة" (Zero Trust). وأكدت الشركة في ذات السياق أنها انتقلت لاستخدام بنية تحتية محلية بالكامل، تماشيا مع توجهات الحكومة الصينية نحو "السيادة التكنولوجية"، وتقليل الاعتماد على البرمجيات الغربية في تخزين البيانات.
ويرى المحللون في موقع بلومبرغ تكنولوجي الأمريكي أن توقيت الإطلاق يمثل تحديا مباشرا للقيود التجارية الأمريكية، فبينما تعاني الشركات الصينية من نقص رقائق "إنفيديا إتش 100″، أثبتت ديب سيك قدرتها على تحقيق نتائج مذهلة باستخدام تقنيات "تحسين التدريب" التي لا تتطلب قوة حوسبة هائلة، وهو ما وصفته تقارير صحيفة فايننشال تايمز البريطانية بـ "المعجزة التقنية بمدخلات محدودة".
وعلى الصعيد العملي، بدأ المطورون عالميا بتبني النموذج في أدوات البرمجة المستقلة، ووفقا لبيانات منصة غيت هاب (GitHub) الأمريكية، سجلت مكتبة ديب سيك في-4 بايثون (deepseek-v4-python) أكثر من 500 ألف تحميل في الساعات الـ 48 الأولى، متفوقة على معدلات اعتماد نماذج "للاما 3" (Llama 3) في بداياتها، نظرا لقدرة النموذج الفائقة على كتابة الأكواد بلغات برمجية نادرة وبدقة عالية.
يقول الخبراء إن ديب سيك في-4 يقف اليوم كشهادة على مرونة قطاع التكنولوجيا الصيني، فبينما يندهش العالم من قدراته العقلية الفائقة وأنماط تفكيره الثلاثة، يبقى السؤال الجوهري لدى الشركات الكبرى، هل أصبحت بياناتنا آمنة حقاً هذه المرة؟
وتراهن الشركة على أن الأداء الخارق والسعر التنافسي الذي يعد الأرخص في سوق واجهة برمجة التطبيقات (API) حاليا سيجعل المستخدمين يتجاوزون دروس الماضي، في رحلة البحث عن "الذكاء الخالص" بأقل التكاليف، وقد استطاع النموذج في ساعات قليلة جذب اهتمام المطورين والشركات الكبرى، خاصة في قطاع البرمجة، نظرا لدقته العالية وتكلفته المنخفضة، مما يضع ضغوطا تنافسية جديدة على الشركات الأمريكية الرائدة في هذا المجال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة