يستعد جون تيرنوس لتولي قيادة واحدة من أقوى شركات العالم، " أبل"، في وقت يصفه مراقبون بأنه من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها، بعدما أمضى تيم كوك نحو 15 عاماً على رأس الشركة، رسّخ خلالها نفوذها العالمي ورفع قيمتها السوقية إلى نحو 4 تريليونات دولار.
لكن هذا الإرث لا يأتي خالياً من التحديات. فخلال فترة قيادة كوك، واجهت "أبل" صراعات سياسية وتنظيمية معقدة، شملت التعامل مع إدارات أمريكية متعاقبة بقيادة دونالد ترامب وجو بايدن، وسط تصاعد الضغوط على شركات التكنولوجيا الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالصين وقضايا الاحتكار.
ومن أبرز المواجهات التي طبعت عهد كوك، صدامه الشهير مع "FBI" عام 2016، حين رفضت "أبل" فك تشفير هاتف أحد منفذي هجوم سان برناردينو، دفاعاً عن خصوصية المستخدمين، في خطوة عززت صورة الشركة كمدافع شرس عن الخصوصية، لكنها فتحت الباب لتوترات طويلة مع الحكومات، بحسب تقرير نشره موقع "تك كرانش" واطلعت عليه "العربية Business".
كما خاضت "أبل" معارك قضائية شرسة بشأن سياسات متجر التطبيقات «App Store»، أبرزها القضية التي رفعتها "Epic Games"، والتي طعنت في عمولة الشركة البالغة 30%.
ورغم أن القضاء الأميركي لم يصنف "أبل" كاحتكار، إلا أنه ألزمها بتخفيف بعض القيود، في نزاع لا يزال مستمراً وقد يصل إلى المحكمة العليا.
ولا تتوقف الضغوط عند الولايات المتحدة، إذ تواجه "أبل" تحقيقات ومخاطر غرامات ضخمة في عدة أسواق، بينها الهند، حيث قد تصل العقوبات المحتملة إلى 38 مليار دولار، في إطار اتهامات بإساءة استغلال موقعها المهيمن في سوق التطبيقات.
أما في الصين، فقد شكلت العلاقة مع بكين تحدياً مستمراً، إذ بنت "أبل" جزءاً كبيراً من سلاسل التوريد هناك، ما جعلها عرضة لتقلبات سياسية واقتصادية.
كما اضطرت الشركة إلى تقديم تنازلات مثيرة للجدل، مثل حذف تطبيقات VPN وتخزين بيانات المستخدمين محلياً، ما أثار انتقادات منظمات حقوقية.
وعلى صعيد المنتجات، لم تحقق نظارة Apple Vision Pro النجاح المتوقع، في وقت لا تزال فيه استراتيجية الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي غير واضحة المعالم.
وقد زاد هذا الغموض مع رحيل رئيس الذكاء الاصطناعي جون جياناندريا، وتأخر تطوير نسخة متقدمة من المساعد «Siri».
وفي محاولة لسد الفجوة، لجأت "أبل" إلى شراكات مع شركات مثل "غوغل" عبر نموذج جيميناي، و"OpenAI" عبر تشات جي بي تي، ما يطرح تساؤلات حول اعتمادها على أطراف خارجية في سباق الذكاء الاصطناعي.
إلى جانب ذلك، يواجه تيرنوس تحدياً داخلياً يتمثل في إعادة تشكيل فريق القيادة، بعد سلسلة من رحيل كبار التنفيذيين خلال الفترة الماضية، ما يمنحه فرصة لفرض بصمته، لكنه يضعه أيضاً أمام اختبار مبكر.
ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على نموذج أعمال "أبل" في ظل تحولات تقنية جذرية، حيث يتوقع البعض أن تقود تطبيقات الذكاء الاصطناعي التفاعلية إلى تراجع أهمية متجر التطبيقات، المصدر الرئيسي لإيرادات الشركة.
في هذا السياق، يبرز سؤال محوري: هل يمتلك تيرنوس القدرة على إدارة شبكة العلاقات المعقدة التي نجح كوك في التعامل معها، أم أن استمرار الأخير كرئيس تنفيذي لمجلس الإدارة سيكون صمام الأمان خلال المرحلة الانتقالية؟
الإجابة قد تحدد ليس فقط مستقبل "أبل"، بل أيضاً شكل صناعة التكنولوجيا في السنوات المقبلة.
المصدر:
العربيّة