هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باستهداف محطات الكهرباء والجسور في إيران إن لم يتم التوصل إلى اتفاق وفتح مضيق هرمز، ورغم أن قصف هذه المنشآت المدنية يعد جريمة حرب وفقا للقانون الدولي الإنساني، فإن ترمب يبدو جادا في تهديداته، خاصة بعدما قصف من قبل أكبر جسر في إيران.
فالعقيدة العسكرية الحديثة، ولا سيما الأمريكية، تعتمد على مفهوم "مراكز الثقل"، وتعد شبكة الطاقة الكهربائية "مركز الثقل" الأهم في أي دولة حديثة، لأنها المحرك الوحيد لجميع القطاعات الأخرى. واستهداف هذه المحطات لا يصنف عسكريا تدميرا لمبان، بل "بتر رقمي وميكانيكي" للمجتمع بالكامل.
وفي هذا الصراع تبرز "الحرب على الطاقة" كأخطر السيناريوهات المطروحة على الطاولة العسكرية الأمريكية، لكن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد "إطفاء أنوار"، بل بعملية جراحية تستهدف "الجهاز العصبي المركزي" لإيران، وذلك لأن محطات الطاقة تعد العصب الرئيسي للمدن الحديثة، وتدميرها يطلق ما يعرف بـ"تأثير الدومينو" الذي يفكك مفاصل الحياة الحضرية في تسلسل سريع.
وتحسبا لأي سيناريو تبنت إيران استراتيجية وطنية لتعزيز مرونة شبكات الكهرباء الوطنية، خاصة في العاصمة طهران، حيث تعتمد على نظام الشبكة الحلقية المترابطة التي تسمح بتحويل مسارات الطاقة من المناطق السليمة إلى المتضررة لضمان استمرارية الخدمة بالحد الأدنى وتجنب الانهيار الشامل للشبكة.
وعلى الصعيد اللوجستي، رفعت السلطات إمدادات الوقود السائل (الديزل والمازوت) لمحطات التوليد بنسبة تصل إلى 40% كإجراء احترازي لتعويض أي نقص في الغاز الطبيعي، مع إلزام المستشفيات والمؤسسات الحيوية والشركات الكبرى بتجهيز مولدات احتياطية ذاتية ومخزون كاف من الوقود لضمان تشغيل العمليات الأساسية دون الاعتماد الكلي على الشبكة العامة.
أما بالنسبة للسكان، فقد ركزت التوجيهات الإيرانية الرسمية على التوعية والجاهزية الفردية، حيث حثت المواطنين على تأمين احتياجاتهم من المولدات الصغيرة وتخزين المياه الصالحة للشرب تحسبا لتوقف مضخات الرفع الكهربائية، معتمدة على قدرة كوادرها الفنية المحلية في إجراء الإصلاحات السريعة بفضل الاكتفاء الذاتي في قطع الغيار بنسبة 95%.
لكن مع ذلك، فإن استهداف محطات الكهرباء الرئيسية بضربات جوية مباشرة في أي دولة يمكن أن يتسبب بأضرار لا يمكن التراجع عنها، ويؤدي إلى ما يوصف بأنه تأثير الدومينو الذي نلخصه في السيناريو التالي:
عند إصابة محطة توليد رئيسية بصواريخ موجهة، لا ينقطع التيار عن الحي المجاور فحسب، بل تحدث ظاهرة تقنية تسمى "فشل التردد المتسلسل".
فالشبكة الكهربائية تعمل كجسم حي واحد؛ إذا فُقدت محطة توليد كبرى فجأة، يرتفع الحمل على المحطات المتبقية لمحاولة التعويض. وإذا لم تكن هذه المحطات تمتلك "احتياطيا دوارا" كافيا، ينخفض التردد عن 50 هيرتزا، مما يؤدي إلى خروج آلي للمحطات الأخرى لحماية توربيناتها من الاحتراق، وتكون النتيجة "الإظلام التام" في غضون ثوانٍ.
في المدن التي تعتمد كثيرا على شبكات المترو والأنفاق الكهربائية فإن قطارات المترو تعمل بالكهرباء المسحوبة من القضبان، وعند ضرب محطات الطاقة، تتوقف القطارات فورا في منتصف الأنفاق.
وأخطر ما في هذه النقطة هو "أنظمة التهوية"؛ فبدون مراوح سحب الهواء الضخمة، ترتفع نسبة ثاني أكسيد الكربون وتنخفض مستويات الأكسجين في الأنفاق العميقة، وخلال فترة زمنية قصيرة -ربما نصف ساعة- يحدث ارتفاع شديد في درجات الحرارة والرطوبة بسبب توقف أنظمة التكييف واكتظاظ الركاب، مما يهدد حياة آلاف الركاب العالقين.
بمجرد سقوط الشبكة، تدخل المدينة في حالة "عزلة رقمية"، ورغم أن أبراج الهواتف المتنقلة مزودة ببطاريات احتياطية تدوم عادة من 2 إلى 4 ساعات، ومولدات ديزل في المحطات الرئيسية، لكن تلك الأبراج تستهلك في المدن المكتظة طاقة هائلة وتنفد بطارياتها في غضون ساعات قليلة.
ومع انقطاع الكهرباء وتعطل إشارات المرور والشلل المروري، يصبح من المستحيل وصول شاحنات الوقود لتغذية هذه المولدات، مما يؤدي لسقوط شبكة الإنترنت والاتصال تماما. وهذا الانهيار يمنع الحكومة من التواصل مع الشعب، كما يمنع المواطنين من طلب النجدة أو الإسعاف في حالات الطوارئ.
يعد هذا هو التأثير الأكثر فتكا على المدى المتوسط (من 12 إلى 24 ساعة)، وذلك أن المدن الكبرى تعتمد على مضخات كهربائية عملاقة (محطات الرفع) لنقل المياه من السدود والمحطات إلى الخزانات العلوية، وانقطاع الكهرباء يعني توقف الضخ مما يعني جفاف شبكة المياه، أو فقدان "الضغط الهيدروليكي" في الأنابيب ما قد يسمح بتسرب الملوثات من التربة إلى داخل أنابيب مياه الشرب.
أما في قطاع الصرف الصحي، فإن توقف محطات المعالجة والرفع يؤدي لارتداد المياه العادمة إلى الشوارع والمنازل، مما يتسبب في تلوث بيئي شامل وانتشار سريع للأمراض المعوية والوبائية.
المستشفيات هي المواقع الوحيدة التي تمتلك مولدات طوارئ تبدأ في العمل في غضون 10 ثوان من انقطاع الكهرباء، لكنها، مع ذلك، ليست محصنة، فالمولدات الاحتياطية مخصصة للأحمال "الحرجة" فقط مثل غرف العمليات والعناية المركزة وأجهزة التنفس الاصطناعي، ولا تستطيع تشغيل أنظمة التكييف أو الإضاءة الكاملة للمستشفى.
وفي حالة الضربة العسكرية، يرتفع عدد المصابين بشكل هائل، مما يضع ضغطا على هذه المولدات التي قد تتعطل بسبب الجهد المستمر. كما أن انقطاع التبريد يؤدي لفساد مخزونات الدم والأدوية الحساسة للحرارة (مثل الأنسولين ولقاحات معينة).
أخطر نقاط "تأثير الدومينو" في أي دولة ذات قدرات نووية هو استهداف مفاعلاتها النووية ومنشآت التخصيب، وذلك أن المفاعلات النووية -التي تعمل بالماء المضغوط- تحتاج لكهرباء خارجية ثابتة لتشغيل مضخات التبريد حتى بعد إيقاف المفاعل، وذلك لإزالة "حرارة التحلل".
فإذا انهارت الشبكة الوطنية وفشلت المولدات الاحتياطية (بسبب ضربات جانبية أو نقص وقود)، فقد نكون أمام سيناريو "فوكوشيما" نتيجة انصهار قلب المفاعل وتسرب إشعاعي قد يطال دول الجوار.
ففي فوكوشيما لم يتضرر المفاعل بالزلزال مباشرة، بل انقطعت الكهرباء الخارجية ثم تعطلت المولدات الاحتياطية بسبب التسونامي، مما أدى لانصهار القلب. لذا فإن انهيار الشبكة الوطنية مع فشل المولدات المحلية يضع المفاعلات في خطر حقيقي.
مع توقف الكهرباء والإنترنت تتعطل الأنظمة المالية الحديثة التي تعتمد على بروتوكولات الإنترنت (تي سي بي/آي بي) (TCP/IP) مما يؤدي إلى تعطل أجهزة الصراف الآلي وأنظمة الدفع الإلكتروني.
وفي اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على البطاقات المصرفية، فإن ذلك يؤدي إلى الشلل التام في القدرة الشرائية لحظيا، وهو ما يُعرف تقنيا بـ"فشل النظام المالي العابر"، حيث لن يتمكن الناس من شراء الخبز أو الاحتياجات الأساسية، وقد يطلق بالتالي شرارة النهب والشغب.
واستنادا إلى ما سبق، فإن "تأثير الدومينو" سيحول المدن الكبرى في أي دولة يتم استهداف محطات الطاقة فيها في غضون 48 ساعة إلى مناطق غير قابلة للعيش، حيث ينهار النقل، ثم الاتصال، ثم المياه، وصولا إلى تهديد كارثي للأمن الصحي والنووي، وهو ما يفسر لماذا تُعتبر هذه الأهداف "أهدافا استراتيجية عليا" في أي مواجهة عسكرية محتملة.
تمتلك إيران العديد من محطات الطاقة، منها 5 محطات يمكن تصنيفها كـ"أهداف ذهبية" كفيلة بإحداث انهيار شامل لا يمكن تداركه، وهي محطات "دماوند" في طهران، و"شهيد رجائي" في قزوين، و"رامين" في الأهواز، و"بوشهر" جنوب شرقي مدينة بوشهر، و"بندر عباس" في مدينة بندر عباس الساحلية جنوبي إيران.
تُعد محطة "دماوند" الحرارية أكبر محطة طاقة في إيران بقدرة إنتاجية تقارب 2868 ميغاوات، وهي المسؤولة عن تغذية إقليم طهران الذي يضم نحو 14 مليون نسمة.
وضرب هذه المحطة يعني سقوط "قلب الدولة" تقنيا. ففي اللحظات الأولى، ستتوقف شبكة مترو طهران (التي تنقل 2.5 مليون راكب يوميا) تماما، مما يحتجز عشرات الآلاف في أعماق الأرض بلا تهوية.
كما ستتوقف أنظمة "شبكة المعلومات الوطنية" (NIN) التي تركز الحكومة خوادمها داخل طهران لضمان السيطرة الرقمية.
ووفقا لتقارير مؤسسة "المجلس الأطلسي" (Atlantic Council) البحثية الأمريكية، فإن انقطاع الكهرباء عن العاصمة الإيرانية سيعطل مراكز البيانات الحكومية والمنظومات الأمنية التي تعتمد على الشبكة الوطنية، مما يفتح الباب أمام فوضى أمنية في الشوارع لا يمكن السيطرة عليها عبر الكاميرات أو الرادارات المعطلة.
تُعرف هذه المحطة هندسيا بأنها "نقطة ارتكاز" لأنها تقع في موقع استراتيجي يربط شبكة شمال إيران بوسطها، وتغذي عصب الصناعة الإيرانية، واستهداف هذه المحطة (التي تولد أكثر من 2000 ميغاوات) سيؤدي إلى ما يسميه المهندسون "عدم استقرار التردد"، وهو ما قد يؤدي لخروج آلي لمحطات أخرى في الشبكة الوطنية لحماية نفسها.
وسيتسبب هذا الاضطراب في خروج آلي لآلاف المصانع والمطاحن وخطوط الإنتاج. ووفقا لتقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن فقدان هذه المحطة سيقطع التيار عن منشآت حيوية في كرج وقزوين، مما يؤدي لتوقف ضخ المياه الصالحة للشرب وتوقف أنظمة التبريد في مخازن الأغذية الاستراتيجية، مما ينذر بمجاعة حضرية خلال أيام.
تقع هذه المحطة في محافظة خوزستان، وتحديدا قرب مدينة الأهواز في قلب المنطقة الغنية بالنفط، وهي التي تشغل محطات الضخ والتكرير في خوزستان.
وبما أن استخراج النفط يحتاج لمضخات كهربائية هائلة، فإن ضرب هذه المحطة يعني توقف تدفق النفط الخام إلى المصافي وتوقف التصدير عبر الموانئ.
وتشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن هذا الانهيار سيحرم الخزينة الإيرانية من تدفقاتها النقدية فورا، وسيؤدي لتوقف محطات الوقود المحلية (التي تعمل بمضخات كهربائية)، مما يشل حركة النقل البري وسلاسل توريد الغذاء تماما.
بجوار المفاعل النووي الشهير، توجد محطات طاقة حرارية تغذي المنطقة والمنشأة ذاتها، ورغم امتلاك مفاعل بوشهر لمولدات طوارئ، إلا أن فقدان الكهرباء من الشبكة الخارجية لفترات طويلة يضع ضغطا هائلا على أنظمة التبريد.
وقد حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها رافائيل غروسي في أبريل/نيسان الجاري من أن استهداف خطوط الكهرباء المغذية للمفاعل قد يؤدي إلى "انصهار قلب المفاعل" ووقوع كارثة إقليمية.
فإذا استُهدف المفاعل وفشلت المولدات الاحتياطية أو تعذر وصول الوقود إليها بسبب شلل الطرق، فقد يتسبب ذلك في انصهار قلب المفاعل ووقوع كارثة بيئية عابرة للحدود تصل آثارها إلى دول الخليج.
تتحكم هذه المحطة في طاقة الموانئ الرئيسية المطلة على مضيق هرمز، واستهداف هذه المحطة سيعطل الموانئ والرافعات العملاقة فيها، وربما يؤدي أيضا إلى تعطل أنظمة الرصد والرادارات الساحلية رغم أن الأنظمة العسكرية تعتمد عادة على شبكات طاقة مستقلة ومولدات محمية.
وإن انقطعت الكهرباء عن هذه المنطقة فإنها قد تدخل في ما يسمى "عمى تقني"، مما يحولها إلى ساحة مفتوحة بلا سيطرة إلكترونية.
في حال تم افتراض الأسوأ وتم تدمير هذه المحطات الخمس، سيبدأ ما يمكن أن يُطلق عليه "الانهيار الحضري الشامل":
إن استهداف هذه المحطات لا يحتاج إلى غزو بري، لكنه "يحتل" الدولة تقنيا، وتحويل إيران إلى "جزر معزولة" بلا طاقة هو السيناريو الذي يخشاه صناع القرار في طهران، لأنه يحول المدن الحديثة إلى فخاخ قاتلة لسكانها، ويجعل من استمرار النظام أمرا مستحيلا وسط شلل تام لكل مقومات الحياة البشرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة